د . صباح ايليا القس
عرف ابو العلاء الحياة فاذا هو اعمى فايقن أنه في سجن الحياة وظلمة العمر الآتي بحيث لا يعرف من الحياة سوى السواد الدائم والليل الطويل ولكن ابا العلاء ليس الاعمى الوحيد بسبب او من دون سبب فبعض الناس يولدون عميانا لاسباب خَلقية وآخرون يطولهم العمى لاسباب مرضية وآخرون يدركهم العمى لاسباب اخرى مثل العمر او الحروب او المصادفة .
والناس في هذا ليسوا سواء فمنهم من يرتضي العمى وينزوي عن الحياة ويهجر اي انجاز فيبقى اسير البيت والظلمة والقهر .
وهناك آخرون من يتحدون العمى فيجتهدون ويبدعون بما يناسب قدراتهم لا سيما في المجالات الفكرية والابداعية وهكذا كان ابو العلاء من المبدعين في الشعر واللغة والفلسفة ولكنه على الرغم من هذه الاشتغالات وما ناله من سمعة ومكانة في عصره الا انه كان ينظر الى الحياة بمنظار اسود وارتضى التقشف في الأكل واللبس فكانت عيشته مضرب المثل في اليأس .. وهذا الامر يتجلى في سلوك الانسان وتصرفاته وعلاقاته مع الآخرين وهو نتاج النفسية الداخلية والمشاعر والاحاسيس التي يظهرها الفرد في التعامل اليومي لا سيما نتاجه الشعري الادبي الذي تطغى عليه روح التشاؤم وتتحدد علاقاته بالناس والمجتمع على الرغم من ان ابا العلاء ضمن هذا الاطار يضع الاخلاق في المرتبة الاولى من نظرته الى الحياة والعلاقات الانسانية ومن المؤكد اننا نتوافق معه اذ ان الاخلاق هي الميزان الحقيقي الذي نستطيع بوساطته معرفة القيمة الانسانية التي يشتمل عليها الآخرون , اذ ان الاخلاق اولا وهي التي عالجها الفلاسفة القدماء ووضعوها في المرتبة الاولى من موازين القيم الاجتماعية وما نزال نسعى لترسيخ القيم الاخلاقية بوصفها معيار تقدم الامم .
يقول الشاعر احمد شوقي :
انـــما الامـــم الاخــــــلاق مـــا بقيــــــت فــــإن هـــــم ذهبــــــت اخلاقهــــم ذهبــــــــوا
ويقول ابو العلاء المعري :
وجـــــدتُ النــــاس فـــي هـــرجٍ ومــــرْجِ غــــــــــواةً بيــــــــن معتـــــــــزل ومُــــــــرْجِ
فشـــأن ملوكهــــم عـــــزف وتـــــــــرف وأصحـــــاب الامــــور جبـــــــــــــاة خـــــــرْجِ
وهـــــــــمُّ زعيهــــــــم إنهــــاب مــــــــال حــــرام النهـــــب او إحــــــــــلال فــــــــــرْجِ
هكذا ينظر ابو العلاء الى الناس فهم موزعون بين متطلبات الحياة الدنيا اذ هم في هرج ومرج اي حركة دائمة دائبة بحثا عن متطلبات الحياة فمنهم الغواة الباحثون عن خصوصياتهم من دون النظر الى الحاجة العامة للناس فإما معتزل عن اللذات واما من يرجو متع الحياة ضمن الشرع والقانون اما الملوك فحالهم ليس حال الناس الاعتياديين فليس لهم سوى الافراح والليالي الملاح فهم بين عزف القيان والجواري واللهو واللعب مع ما يترتب على ذلك من نزف الاموال والوقت الذي يضيع في التفاهات في حال يجب أن تصرف الاوقات لخدمة الناس الذين جاء الملوك لأجلهم ..
اما اصحاب الامور اي الذين يديرون الدولة فليس لهم الا جباية المال وخزنه ( الخرج ) بغض النظر عن الحياة الاجتماعية القاسية التي يعانيها ابناء الرعية فالمهم الدفع وإلا الحبس والقصاص .
والبيت الاخير يكاد يشخص حال اغلب الملوك فهمّ وغاية الملك او الوالي إنهاب المال وليس توزيع المال بين الرعية فالنهب غاية من دون ان ينظر الى المعتقدات الدينية التي يدعيها والتي تؤكد الفرق بين الحلال والحرام والمقدس والمدنس لان الغاية تبيح الوسيلة حتى لو كان الامر
( إحلال الفرج ) بمعنى الاعتداء على المرأة وسلبها عفتها .. لانهم ينظرون الى الشريعة بما يحقق لهم المصلحة ..
هكذا نظر ابو العلاء الى الملوك بوصفهم استغلوا الدين لمصالحهم الشخصية . مثل هذه الامور وغيرها جعلت ابو العلاء يعتزل الحياة اذ وجد ان شرورها اكثر من سرورها .