روعة أحمد سنبل
نظرَ نحوَ الشّجرة، فرأى خمسَ قبّعات، وشعرَ بخيبةٍ كبيرة، لكنْ، هل تعتقدونَ أنّه سيستلم؟ بالطّبعِ لا.
“لن ألعبَ اليوم” قال فوّاز ليارا بعد المدرسة، وذهبَ إلى البيت، كتبَ واجباتِه، ثمّ نامَ ساعتَين، واستيقظَ نشيطاً.
تلك اللّيلة، شربَ فوّاز ثلاثةَ فناجين من الشّاي كي يطردَ النّعاس ويراقبَ الشّجرةَ، وعند منتصفِ اللّيلِ تماماً، اتّسعتْ عيناهُ دهشة، فقد شاهدَ أحدَهم يقتربُ في الظّلامِ من الشّجرة، ألصقَ فوّاز وجهَه بالنّافذة، وفجأةً حدثَ أمرٌ غريب.
سطعَ من الشّجرةِ ضوءٌ أخضر مبهِر، جعلَ فوّاز يغمضُ عينَيه، وحين فتحَهما بعدَ بُرهة، كان الضّوء قد انطفأ، لم يرَ أحداً عند الشّجرة، بل رأى قبّعاتٍ جديدة، فشعرَ بالخيبة.
“لن أستسلم” قال فوّاز بإصرار.
وفي اللّيلة التّالية، خرج بهدوءٍ من بيتِه قبلَ منتصفِ اللّيل، واختبأ خلفَ جدارٍ قريبٍ من الشّجرة، وبعد دقائق، سمعَ صوتَ خطواتٍ وطرقاتِ عكّازِ على الأرض، فارتجفَ خوفاً، وأعتقدُ أنّكم قد تتوقّعونَ السّبب.
نعم، لقد رأى الجدّة الرّماديّة.
اقتربتِ الجدّةُ من الشّجرة، وهمستْ:
“مرحباً أيّتها الشّجرة، لقد صنعتُ القبّعة الأخيرة، نفدتْ خيوطي الصّوفيّة، وما زال في الجزيرةِ خمسةُ أطفالٍ يشعرونَ بالبرد، هل ستساعدينني اللّيلةَ أيضاً؟”
بيَدٍ مرتجفةٍ علّقتِ العجوزُ القبّعةَ على أحدِ الأغصان، فاهتزّتِ الشّجرة، وهمستْ:
“سأساعدكِ طبعاً”.
سطعَ الضّوءُ من الشّجرة، وحين انطفأ، ظهرتْ قبّعاتٌ جديدة، ابتسمتِ العجوز، شكرتِ الشّجرة، وذهبتْ إلى بيتِها.
خرج فوّاز من مخبئِه، فسمعَ صوتاً يخاطبُه.
“ها قد اكتشفتَ اللّغزَ يا فوّاز”، قالتِ الشّجرة.
ضحك فوّاز، وشكرَ الشّجرةَ على القبّعات، فقالت:
“الشّكرُ للجدّةِ الطّيّبة، فقد أرادت أن تساعدَكم، وكانت حزينةً لأنّها لا تملكُ سوى سُترةٍ صوفيّةٍ بُنيّة، وأخرى خضراء، تكفي خيوطُهما لصناعةِ أربعِ قبّعاتٍ فقط. صنعتِ القبّعةَ الأولى وعلّقتْها على غصني، ليأخذَها أحدُكم صباحاً، لكنْ، حين لمستْني أصابعُها الحنونة، أورقتُ وصرتُ شجرةً سحريّة، رغبةُ الجدّةِ بالعطاءِ جعلتْ أغصاني تثمرُ قبّعاتٍ صوفيّة، وحبُّها للخيرِ جعلَ أجسادَكم دافئة”.
شعرَ فوّاز بالنّدم، لكنّه ابتسم، فقد خطرتْ له خطّة.
في مساءِ ذلكَ اليوم، طُرقَ بابُ الجدّةِ ثلاثَ مرّات، وهو أمرٌ لم يحدثْ منذُ سنوات، وحين فتحتْ، رأتْ فوّاز ويارا، ومعهما أطفالُ الجزيرة، يحملون خبزاً وحليباً وفاكهةً كثيرة، فرحتِ الجدّة بالهدايا الّتي في أيدي الأطفال، وفرحتْ أكثر بالحبِّ في عيونِهم.
لم تعدِ الجدّةُ بعد ذلكَ وحيدة، ولأنّها مريضةٌ ولا تخرجُ من بيتها، صارَ الأطفالُ يزورونَها، ويساعدونَها، وحينَ يلعبونَ في السّاحة، ينظرونَ دوماً نحوَ نافذتِها، ويلوّحونَ لها.
حدثتْ هذه القصّةُ منذُ زمنٍ بعيد، لكنَّ الشّجرةَ اليابسةَ ما زالت في منتصفِ كلِّ شتاء، تُثمرُ قبّعاتٍ صوفيّةً لأربعِ ليالٍ متتالية. إنْ زرتُمْ يوماً الجزيرةَ المَنْسيّة، فيمكنكُم أن تروا الشّجرةَ السّحريّة، وإنْ حالفكمُ الحظُّ، قد تحصلونَ على قبّعةٍ جميلةٍ صوفيّة.