رؤية الحرب والموت عند زهير بن أبي سُلمى

                                 صباح ايليا القس

التفكر في الحرب شيء لا بد منه لكل من عاش في العصر الجاهلي بصورة خاصة نظرا لطبيعة العلاقات الاجتماعية التي تحكم متلازمات الحياة على تعدد مشاربها وتعقد العلاقات التي تؤدي الى الخصومة وتكون مبعث القلق والتوتر التي تبدأ بوصفها مشكلات فردية لتكون ظاهرة قبلية بامتياز وحتما يؤدي هذا الاشتباك الى مصير واحد لا غير وهو الحرب .

والحرب تعني حوار السيوف والرماح والنبال مع الآخر وعند زهير هم ( الاحلاف وذبيان ) وما تفرزه الحرب ومعطياتها من مرارة وخسران يقول زهير في معلقته :

فمـــن مبلـــغ الأحـــلاف عنـــي رسالــــة        وذبيــــان هــــل أقسمتــــــمُ كــل مقســـمِ

فـــــلا تكتمـــنّ الله مـــــا فـــي نفوسكــــم        ليخفــــى ومهمـــا يُكتــــمُ الله يُعلــــــــــمِ

افتتح الابيات بالاستفهام ( فمن ) وهذا يسمى استفهام العارف او الاستفهام الانكاري فهو يعرف المخاطب وهما الطرفان المخاصمان ( ذبيان والاحلاف ) وحين لم يقنع بالاستفهام الاول كرر الاستفهام في الشطر الثاني وتكرار الاستفهام يعني توكيد الامر من الناحية اللغوية والمعنوية وقد تضمن الاستفهام ما يريد ان يوصله من رسالة وهي ( هل أقسمتم كل مقسمِ ) بمعنى هل قررتم الشروع بالحرب اذ يعد زهير ذلك أمرا خطيرا وعلى الجميع أخذ الحيطة والحذر بل والاستعداد لمثل هذا الحدث المكروه ولا بد من تحذير الآخر من عواقب ما سوف يقدمون عليه من مخرجات الحرب التي هي الدماء والموت والكوارث الاجتماعية والانسانية التي لا تشمل الاشخاص المتحاربين فقط بل ما سوف تنتجه الحروب من نكبات على مستوى الاطفال والنساء والعوائل بصورة خاصة .

فالحياة تستقيم بالمحبة واحترام الآخر والابتعاد عن اعمال الشر لذلك جاءت ( اناه ) في رسالته عني التي تبحث عن جواب اكيد بأنهم اقسموا على الاستمرار بالحرب من دون سماع صوت العقل لكنه في البيت الثاني يذكرهم بأعمال الله الطيبة وهو العالم بما تخفي النفوس من احقاد وكراهية التي لا تنفع شيئا وعلى الناس تجاوزها والتعامل بالحسنى والتفاهم وحل التقاطعات بالعقل وهذه الرسالة ربما لا يقصد بها خصومه فقط بل هي لكل الناس اذ ان اشعال الحروب تؤثر على الحياة برمتها وعلى الطبيعة الانسانية التي تميل الى الخير فالعيش بسلام أفضل من الحرب وخساراتها .

فأذا كان البيتان يشتملان على الحرب ومشاهدها القاسية وتفضيل الشاعر الركون الى السلام جاءت الابيات اللاحقة التي اطارها الكلمة ومضمونها تصوير بشاعة الحرب وحلاوة السلام يقول :

ومـــا الحـــرب الا مـــا عرفتـــــم وذقتـــــمُ          ومــــا هـــــو عنهــــا بالحديــث المرجّــــمِ

متـــــى تبعثوهــــــا تبعثوهـــــا ذميمـــــــة           وتضــــــر اذا ضريتموهــــــا فتضـــــــرمِ

في هذين البيتين تظهر ( انا الشاعر ) واضحة تشتمل على النصح والارشاد والتذكير بالحرب وما هو معروف عنها من اذى وليس امرها بخاف على ابناء القبائل الذين يتسامرون بأخبار المعارك وليس من يحبذ المشاركة فيها الا مضطرا فالحديث عنها يذكر بالموت والخراب وليس هناك من يدخل الحروب الا بعد اليأس من الحلول العقلية التي تتطلب المرونة والتساهل والمحبة والصبر .

فالشاعر زهير ( واناه ) العاقلة تذكر المقدمين على الحرب بأهوالها ومصائبها التي ربما مرّ بها رجال القبيلة سابقا ولا بد من التذكير بمظاهر العنف والموت التي يقابلها الامن والسلام والحياة الرغيدة .

ان الشاعر زهير بوساطة ( اناه ) التي تحاور الآخر ( القبائل ) يصور ببراعة مفهوم الحرب الذهني وينقله الى الواقع الملموس اي ينقل الفكر الى الواقع الذي يمكن أن يتحسسه الرجال الذين خبروا الحروب وعاشوا ايامها ومآسيها والتذكير هنا يشتمل على الرعب والخوف وليس في الحرب فوز وخسارة لان المنتصر يتجاوز خساراته من المال والرجال واليتامى والارامل متباهيا بأنجاز ثمنه الدماء والابرياء .

قد يعجبك ايضا