مظفر العقابي
القاهرة
ليست كل الأصوات التي تصرخ في المدرجات تعبيراً عن الوعي، وليس كل من يرفع شعار النادي يمتلك الحق في مصادرة قراره أو التدخل في شؤونه. فثمة فارق كبير بين أن تكون مشجعاً عاشقاً لناديك، وبين أن تنصّب نفسك وصياً على إدارته ومدربه ولاعبيه!
ما يحدث في بعض ملاعبنا وأنديتنا العراقية لم يعد مجرد انفعال عابر أو ردة فعل تفرضها خسارة مباراة، بل أصبح ثقافة سلبية مقلقة، تتسلل إلى مفاصل العمل الرياضي، وتفرض ضغوطاً غير مبررة على الإدارات والأجهزة الفنية، وكأن أصوات المدرجات تحولت إلى مجالس إدارة، والهتافات إلى قرارات فنية، والانفعالات إلى أحكام بالإقالة والإبعاد والتشهير!
إنها ظاهرة لا تليق بكرة القدم، ولا بثقافة المؤسسات الرياضية، ولا بجمهور نطمح أن يكون شريكاً في صناعة النجاح، لا سبباً في إرباكه.
وفي مجتمع شرقي عاطفي كالمجتمع العراقي، تصبح المشكلة أكثر تعقيداً حين يتحول العشق إلى تعصب، والغيرة إلى عدوانية، والاختلاف إلى إساءة، وحين يجد لاعب شاب نفسه محاصراً بعبارات جارحة، ومدرب نفسه تحت مقصلة الجماهير بعد كل تعثر. فأي إبداع ننتظر من لاعب يخشى خطأه أكثر مما يتطلع إلى نجاحه؟ وأي استقرار نرجوه لجهاز فني يعمل تحت تهديد الضجيج والضغوط؟
ليس هناك مدرب يتمنى الهزيمة، ولا لاعب يحلم بالفشل، ولا إدارة تبحث عن خسارة جمهورها. لكن كرة القدم انتصار وانكسار، نجاح وإخفاق، ومَن لا يتسع قلبه للخسارة لا يستحق أن يحتكر فرحة الانتصار.
نعم، من حق الجماهير أن تنتقد وتحاسب وتطالب بالتغيير، لكن ليس من حقها أن تهين أو تهدد أو تفرض اختياراتها على أصحاب الاختصاص. فالنقد وعي، أما الفوضى فليست شجاعة، والتعصب ليس دليلاً على الوفاء.
اتركوا للمدربين عملهم، وللإدارات مسؤولياتها، وللاعبين مساحتهم كي يبدعوا.
كونوا جمهوراً يصنع الأمل لا الخوف، يصفق عند النهاية، ويغادر الملعب محتفظاً بأخلاقه، سواء ابتسمت له النتيجة أم خذلته.
فالمدرجات خُلقت لتكون مسرحاً للحب، لا محكمةً للإعدام المعنوي، وكرة القدم خُلقت لتمنحنا الفرح، لا لتكشف قبح ما فينا.
شجعوا أنديتكم بعقولكم قبل عواطفكم؛ فالأندية لا تنهض بصخب الجماهير، بل بوعيها، ولا تصنع البطولات بالشتائم، بل بالعمل والاستقرار والاحترام.