المسؤولية المدنية عند وقوع ضرر نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي ومن يتحمل مسؤولية التعويض عن ذلك الضرر؟

عبدالقادر صالح العبيدي

يتمثل مفهوم الضرر أو الخطأ في الإخلال بواجب قانوني أو مهني يُلزم الشخص بتجنبه، واتخاذ الاحتياطات اللازمة للحيلولة دون وقوعه. وقد ينشأ الضرر نتيجة الإهمال في تصميم الأنظمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي والأجهزة المستخدمة، أو بسبب إدخال بيانات غير صحيحة تؤثر في دقة النتائج، وتؤدي إلى وقوع أضرار مادية، كخسارة الأموال، أو تلف الممتلكات، أو إلحاق أذى جسدي بالأشخاص، أو إتلاف المنتجات، كما في المنتجات المصنّعة بصورة معيبة، أو مخلفات المصانع، أو الحوادث الناجمة عن أخطاء تصنيع السيارات أو قيادتها ذاتياً بواسطة أنظمة الروبوت والذكاء الاصطناعي، كما هو معمول به في بعض الدول المتقدمة.

وقد تكون هناك أضرار من نوع آخر، تتمثل في الأضرار المعنوية، كالمساس بالخصوصية والاعتبار الشخصي والسمعة.

وترتبط العلاقة السببية بين الخطأ والنتيجة المترتبة عليه، إذ يُنسب الخطأ إلى الشخص المسؤول عن تصميم النظام أو استخدامه، والذي قد يتخذ قرارات مهمة تتعلق ببناء العمليات الخوارزمية والحسابية المعقدة. وهنا تبرز الإشكالية القانونية التي تزيد من صعوبة إثبات مصدر الخطأ وتحديد المسؤول عنه، وما إذا كان بالإمكان إسناد المسؤولية عن وقوعه إلى نظام الذكاء الاصطناعي ذاته أم لا.

والجواب القانوني عن ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يتمتع بشخصية قانونية تخوّله تحمّل المسؤولية عن الأخطاء والأضرار المادية والمعنوية الناجمة عن استخدامه؛ إذ إن الشخصية القانونية، وفقاً لما استقر عليه القانون، تثبت للأشخاص الطبيعيين والأشخاص المعنويين، أما الذكاء الاصطناعي، فهو عبارة عن أدوات وبرامج لا تتمتع بشخصية قانونية مستقلة، ولا تملك ذمة مالية خاصة بها. لذلك، فإن مطالبة نظام الذكاء الاصطناعي بدفع التعويض عن الأضرار التي يتسبب بها قد تكون ضرباً من الخيال.

وتسعى الشركات بصورة حثيثة إلى الحد من تلك الأخطاء، من خلال مواصلة البحث والتطوير، وتحسين التصاميم، ورفع كفاءة وجودة برامج الذكاء الاصطناعي المصممة لخدمة الإنسان.

إلا أننا نرى، من الناحية القانونية، أن هذه الإجراءات وحدها لا تمثل حلاً كافياً لهذه المشكلة، وإنما يكمن الحل في إيجاد قواعد قانونية واضحة لتوزيع المسؤوليات وضمان حصول المتضرر على التعويض نتيجة استخدام الذكاء الاصطناعي. فلا ينبغي أن يتحمل المبرمج أو الشركة المصنّعة للنظام المسؤولية وحده، بل يجب اتخاذ التدابير اللازمة لضمان دقة النتائج والقرارات الصادرة عن هذه الأنظمة، ولا سيما من خلال إجراء الاختبارات اللازمة على البرمجيات قبل طرحها للاستخدام، ووضع تعليمات واضحة بشأن مواعيد تحديث الأنظمة، وآليات إصلاح الخلل الفني، والقدرة على معالجة المشكلات التي قد تطرأ عليها.

فعلى سبيل المثال، قد يُستخدم الذكاء الاصطناعي في تشخيص أمراض معينة أو تحليل صور الأشعة الطبية، وقد يكون التشخيص خاطئاً، مما يلحق أضراراً مادية ومعنوية بالمريض. وفي هذه الحالة، فإن مساءلة الشركة التي قامت بتصميم الأجهزة وبرمجتها قد تكون مسؤولية قانونية قائمة، كما قد تمتد المسؤولية إلى الطبيب إذا أخل بواجباته المهنية، سواء من خلال سوء اختيار الأجهزة أو عدم مراعاة ضوابط استخدامها بالشكل الصحيح، أو إهمال متابعة تحديثاتها الدورية. ومن هنا، لا تقتصر المسؤولية على المبرمج أو الشركة المنتجة، بل قد يتحمل الطبيب أيضاً جزءاً من المسؤولية إذا أسهم بخطئه أو تقصيره في وقوع الضرر.

ولا شك في أن بعض الأضرار قد تنشأ نتيجة أخطاء معقدة لا تُعزى إلى جهة واحدة، وإنما قد تكون ناجمة عن خلل في البرمجة، إلى جانب تقصير في الاختيار أو الاستخدام من جانب المهندس أو الطبيب، أو اعتماد نتائج وفحوصات تحليلية خاطئة صادرة عن أنظمة المراقبة الطبية، أو تقصير الحارس المسؤول عن أجهزة وأنظمة الحماية الأمنية، أو إهمال المهندس في مراقبة نتائج الإنتاج داخل المصنع. وفي مثل هذه الحالات، تتداخل المسؤوليات وتتعدد الأطراف التي قد تتحمل مسؤولية التعويض عن الضرر.

أما بشأن موقف المشرّع العراقي، فقد خصص القانون المدني العراقي رقم (40) لسنة 1951 مواد قانونية عديدة لتنظيم أحكام المسؤولية المدنية، دون أن يتضمن نصوصاً خاصة بالأضرار الناجمة عن الذكاء الاصطناعي، نظراً إلى حداثة ظهور هذه التقنيات وتطورها في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، فإن القواعد العامة للمسؤولية المدنية يمكن أن تشكل أساساً قانونياً لمعالجة الأضرار الناجمة عن استخدامها.

وفي هذا السياق، عالجت المادتان (186) و(207) من القانون المدني العراقي أحكاماً تتعلق بالمسؤولية والتعويض، وأكدت القواعد القانونية ذات الصلة مبدأ التعويض عن الضرر، بما يتناسب مع ما لحق المتضرر من خسارة، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة للمسؤولية، ومنها وقوع الفعل غير المشروع وتحقق الضرر وقيام العلاقة السببية بينهما.

وبناءً على ذلك، فإن عدم وجود نص قانوني خاص ينظم المسؤولية المدنية الناشئة عن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني وجود فراغ قانوني، ذلك أن القواعد العامة للمسؤولية المدنية قادرة على استيعاب أنواع متعددة من الأضرار، بما فيها الأضرار المستحدثة التي قد تنجم عن استخدام التقنيات الحديثة، وإن كانت هذه الحالات قد تثير صعوبات عملية في تحديد المسؤولية، وإثبات الخطأ، وإقامة العلاقة السببية بين الفعل والضرر.

قد يعجبك ايضا
∧