فينوس بابان
تكتسب التصريحات والخطابات الصادرة عن مؤسسة الرئاسة في إقليم كوردستان طابعاً استثنائياً في لحظات الانسداد السياسي ، إذ لا تُعبر فقط عن موقف إداري محلي بل تمثل قراءة استراتيجية لموقع الإقليم في معادلات المنطقة والمنظومة الدولية، تأتي التأكيدات الأخيرة الصادرة عن رئيس ديوان الرئاسة السيد فوزي حريري، في أعقاب جلسة تفعيل البرلمان وما رافقها من اعتراضات حادّة، لتشكل الامتداد التنفيذي والقراءة التفصيلية للرسائل المحورية التي أطلقها رئيس إقليم كوردستان السيد نيجيرفان بارزاني، في خطابه المفصلي عقب التفعيل.
لقد ارتكز خطاب السيد نيجيرفان بارزاني على ثوابت استراتيجية تضع مصلحة الكيان فوق أي حسابات حزبية ضيقة، حيث شدد بوضوح على أن تفعيل البرلمان ليس غاية بحد ذاته أو مناورة إقصائية بل هو استحقاق دستوري وحيوي لمنع حدوث فراغ شرعي أو ثغرات قانونية قد تُستغل في بغداد أو أمام المحكمة الاتحادية للتشكيك في شرعية الإقليم ومؤسساته، كما ركز خطاب رئيس الإقليم على ضرورة صيانة الشراكة الوطنية والابتعاد عن الخطابات التشنجية مؤكداً أن حماية كوردستان تعتمد على التوازن الدقيق بين استكمال الاستحقاقات المؤسسية والحفاظ على شعرة المعاوية مع جميع القوى السياسية وفي مقدمتها الاتحاد الوطني الكوردستاني.
هنا يأتي تحليل خطاب رئيس الديوان ليعكس عمق هذه الرؤية السياسية والقيادية، إذ ترجم تصريح السيد حريري نقاط خطاب رئيس إقليم كوردستان إلى مسار عملي يُوازن بين الضرورات الدستورية أمام بغداد والمجتمع الدولي من جهة ومقتضيات التوافق الداخلي من جهة أخرى، مؤكداً أن الشرعية المؤسسية والوحدة الوطنية هما خطان متوازيان لا يفترقان، إن هذا الخطاب الرئاسي المتكامل ينطلق من إدراك راسخ بأن قوة إقليم كوردستان الحقيقية لا تستمد فقط من توازناته الداخلية الهشة، بل من مكانته الجيوسياسية المتقدمة كشريك استراتيجي موثوق للتحالف الدولي وعواصم القرار الغربية، التي تنظر إلى أربيل كواحة استقرار وركيزة أساسية لأمن الشرق الأوسط.
من هنا، كان ربط تفعيل البرلمان بحماية الكيان من مخاطر قانونية وجودية رسالة واضحة للخارج والداخل مفادها أن المؤسسات الدستورية للإقليم يجب أن تظل منيعة لكي يظل الشريك القوي والمستقر لشركائه الدوليين، فالتحديات القانونية والمالية التي تفرضها بغداد لا يمكن مواجهتها بتشظٍ داخلي أو بفراغ مؤسسي. وفي ذات الوقت، سعى الخطاب إلى تقزيم الخلاف واقتصاره على بعده الحزبي العابر تأكيداً على أن الكيان الموحد من دهوك وزاخو إلى السليمانية أكبر بكثير من أي سجال آني.
وهنا يتقاطع هذا الطرح بانسجام تام مع النهج السياسي العقلاني لرئيس الإقليم لسيد نيجيرفان بارزاني الذي أثبتت التجارب والأزمات السابقة من محطات الاستفتاء وما تلاها من حصار مالي واختبارات قاسية أن عقيدته السياسية تقوم على رفض العدمية والسوداوية، واستدعاء الذاكرة التاريخية للإرادة الكوردستانية للتأكيد على أن هذه الأزمات مهما تعاظمت ليست آخر الدنيا، وأن الشعب الكوردستاني وقياداته عبروا محطات أشد قسوة بوحدة الصف، إن هذا الاستقراء التاريخي يعكس رؤية تحليلية ترفض الوقوع في فخ السلبية المطلقة وتنظر إلى الاعتراضات الحالية كجزء من حيوية النظام السياسي الذي يمتلك مناعة ذاتية قادرة على تصحيح مسارها دون انهيار المنظومة.
إن إشارة رئيس الديوان إلى تراجع الدور الإجرائي للمؤسسات لصالح الدور الشخصي والبارز لرئيس الإقليم ورئيس الحكومة تأتي تجسيداً لإرث قيادي يعتمد على القنوات الخلفية والدبلوماسية الهادئة لتفكيك الأزمات المعقدة التي تعجز عنها الأطر البرلمانية الجافة في لحظات الاستقطاب. هذا التمهيد الرصين يفتح الباب بوضوح أمام خطوة دبلوماسية وشيكة ورفيعة المستوى يقودها رئيس الإقليم، مستنداً إلى شبكة علاقاته الواسعة ومقبوليته الإقليمية والدولية، لطرح صفقة متكاملة تضمن مشاركة متوازنة في القرار المالي والأمني، وتؤمن حلاً مستداماً للملف المعيشي ورواتب المواطنين كأولوية قصوى، وتوفر مظلة سياسية جامعة لاستكمال برامج الاصلاح وعصرنة المنظومة العسكرية والأمنية بالشراكة مع التحالف الدولي.
إن الحفاظ على مكتسبات الإقليم ومكانته الخاصة لدى الغرب والمنطقة يتطلب حتماً هذا التحول الجريء نحو التوافق، فالشركاء والحلفاء الدوليون يدركون تماماً أن أمن كوردستان واستقراره الاقتصادي والسياسي لا يستقيمان إلا بتماسك بيته الداخلي، المشهد اليوم يتجه نحو تدوير الزوايا الحادة برؤية تفاؤلية واعية تستلهم دروس التاريخ حيث تبقى الشرعية المؤسسية غطاءً قانونياً حامياً أمام ضغوط بغداد بينما يظل التوافق السياسي المرتقب عبر مبادرة الرئاسة هو الضامن الأوحد لصيانة هذا الكيان ومكانته الاستراتيجية.
إن الحفاظ على مكتسبات الإقليم ومكانته الخاصة يتطلب حتماً الانعطاف نحو التوافق؛ فالشركاء الدوليون يدركون أن أمن كوردستان واستقراره لا يستقيمان إلا بتماسك بيته الداخلي، المشهد اليوم يتجه نحو تدوير الزوايا الحادة برؤية تفاؤلية واعية تستلهم دروس التاريخ، حيث تبقى الشرعية المؤسسية غطاءً حامياً أمام بغداد بينما يظل التوافق السياسي المرتقب عبر مبادرة الرئاسة هو الضامن الأوحد لصيانة هذا الكيان ومكانته الاستراتيجية.
وفي ختام هذا المشهد، تتوجه الرسالة الأهم إلى صنّاع القرار، والمنصات الإعلامية، وعموم الشارع الكوردستاني، امتداداً إلى الشركاء في بغداد والحلفاء الدوليين: ألا ينساقوا خلف الانفعال السريع أو التأثر اللحظي بتقلبات المتغيرات السياسية، وأن يظلوا على ثقة راسخة بأن كوردستان ستظل آمنة، وقائمة على مبادئ الأخوة، والتعاون، والثقة المتبادلة. إن ما يشهده الإقليم اليوم من سجالات واختلافات ليس بالحدث الاستثنائي أو الغريب، بل هو سياق طبيعي يتكرر في أعرق الديمقراطيات وأكثر الأنظمة السياسية استقراراً حول العالم. المطلوب اليوم من الجميع قادة ومحللين وإعلاميين هو قراءة الأوضاع بعين الحكمة والمسؤولية الإنسانية والصدق، والامتناع التام عن الانجرار لتكون الأقلام أو المنابر أدوات لهدم التماسك الداخلي أو التشكيك في تاريخ ونضال كوردستان، ليظل الكيان دائماً أعلى من كل الخلافات وأقوى من كل التحديات.