“هولير في مواجهة أجندات طهران وحدة كُردستان خط أحمر”

عبدالباقي احمد ملا

هولير وإقليم كُردستان بين مشروع الاستقلالية وضغوط الهيمنة الإيرانية منذ سقوط نظام صدام حسين عام 2003، لم تتوقف إيران عن محاولاتها المتواصلة لبسط نفوذها على العراق، والتحكم بمفاصل قراره السياسي والأمني والاقتصادي، مستخدمةً نفوذها داخل المؤسسات العراقية، وعلاقاتها بالقوى والأحزاب والفصائل المسلحة، بهدف جعل العراق ساحة مفتوحة لتنفيذ أجنداتها الإقليمية.

وفي خضم هذه المحاولات، بقي إقليم كُردستان، وعاصمته هولير، حالة مختلفة في المشهد العراقي؛ إذ سعى إلى ترسيخ تجربته السياسية والدستورية، والحفاظ على خصوصيته القومية ومؤسساته، وصيانة قراره السياسي بعيداً عن سياسة التبعية والمحاور الإقليمية. وكان للرئيس مسعود بارزاني دور محوري في الدفاع عن هذه الخصوصية، وفي الحفاظ على مكانة الإقليم ومكتسباته الدستورية، رغم الضغوط والتحديات المتواصلة.

واليوم، في ظل المواجهة والتوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، اختار إقليم كُردستان، بقيادة الرئيس بارزاني، عدم الانجرار إلى هذه الحرب أو تحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، انطلاقاً من مسؤولية وطنية تحتم حماية شعب كردستان وأمنه واستقراره، وعدم الزج به في صراعات لا تخدم مصالحه.

لكن المؤسف أن تأتي بعض المواقف والتصريحات من داخل البيت السياسي الكردستاني لتصب الزيت على نار الخلافات الداخلية، في وقت يحتاج فيه الإقليم إلى أعلى درجات الوحدة والتماسك. فما صدر مؤخراً عن رئيس الاتحاد الوطني الكُردستاني، في ظل الاستحقاقات المتعلقة بانعقاد برلمان كردستان وتفعيل مؤسساته الدستورية، يطرح تساؤلات جدية حول الأولويات السياسية، وحول ما إذا كانت الحسابات الحزبية ومناطق النفوذ قد أصبحت أهم من وحدة الإقليم ومستقبله.

إن محاولة تعطيل المؤسسات الدستورية، أو التلويح بفصل مناطق النفوذ عن الإقليم، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خلافات إدارية أو تنافس حزبي تقليدي؛ فمثل هذه المواقف تحمل تداعيات خطيرة على وحدة القرار الكُردستاني، وتفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية التي لطالما سعت إلى إضعاف التجربة الكُردستانية وتقويض مكتسباتها.

والأكثر إثارة للقلق أن تتزامن هذه التطورات مع تصاعد دور الفصائل المسلحة المرتبطة بأجندات إقليمية، وما تشكله من تهديد لأمن الإقليم واستقراره. ومن حق شعب كُردستان أن يتساءل: لماذا يُراد دائماً وضع هولير تحت الضغط؟ ولماذا كلما اتجهت مؤسسات الإقليم نحو استعادة دورها الدستوري وتوحيد قرارها، ظهرت مواقف تعمّق الانقسام وتعيد إنتاج الأزمات.

إن الخلاف السياسي حق مشروع، والتنافس الحزبي جزء من الحياة الديمقراطية، لكن تحويل الخلافات إلى أدوات لتعطيل المؤسسات أو تهديد وحدة الإقليم أمر مختلف تماماً. فلا يجوز أن تكون مناطق النفوذ الحزبي بديلاً عن مؤسسات الدولة، ولا أن تكون المصالح الخارجية أعلى من مصالح شعب كردستان.

لقد دفع الشعب الكُردستاني أثماناً باهظة من الدماء والتضحيات حتى وصل إلى هذه التجربة السياسية والدستورية، وليس من المقبول التفريط بمكتسباته أو تحويلها إلى أوراق تفاوض في صراعات إقليمية وحسابات حزبية ضيقة.

هولير ليست مجرد عاصمة إقليمية، بل هي رمز لتجربة سياسية ونضالية وتاريخ من التضحيات. وإقليم كردستان ليس ملكاً لحزب أو عائلة أو جهة سياسية، بل هو كيان دستوري وحق ومكتسب لشعب بأكمله.

وعلى الجميع أن يدركوا أن الولاء الأول والأخير يجب أن يكون لكُردستان وشعبها، لا لطهران ولا لأي عاصمة إقليمية أخرى. فالتاريخ لا يرحم من يضع مصالح الخارج فوق مصالح شعبه، ولا من يضع نفوذه الحزبي فوق وحدة وطنه.

إن حماية هولير ووحدة إقليم كُردستان واستقلالية قراره السياسي ليست مسؤولية حزب بعينه، بل مسؤولية قومية وتاريخية تقع على جميع القوى الكُردستانية.

قد يعجبك ايضا
∧