أنا لست كوردياً، لكنني أقولها: وحدتكم قوتكم
إلى فخامة الرئيس مسعود بارزاني المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أكتب إليكم هذه الرسالة من قلب كركوك، بكل محبة واحترام، لا بصفتي سياسياً أو طرفاً في أي خلاف، بل بصفتي أخاً وصديقاً حريصاً على القضية الكوردية، وعلى ما تحقق من مكتسبات وإنجازات بعد عام 2003.
فخامة الرئيس،
أنا لست كوردياً، لكنني عشت بين الكورد، وأكلت من خبزهم، وشاركتهم أفراحهم وأحزانهم في كركوك. أنا لست كوردياً، لكنني أدرك جيداً معنى أن يكون لشعبٍ قضية عادلة، وأن يدفع في سبيلها أثماناً باهظة من الدماء والتهجير والمعاناة والصبر على مدى عقود طويلة.
وأكتب إليكم اليوم من موقع المحبة والحرص الصادق، بعيداً عن الاصطفافات الحزبية، لا مع أربيل ضد السليمانية، ولا مع السليمانية ضد أربيل، ولا مع هذا الحزب أو ذاك، بل مع الكورد جميعاً، ومع وحدة الصف الكوردي التي تمثل أمانة تاريخية ووطنية في أعناق الجميع.
فخامة الرئيس،
قبل الحديث عن الخلافات الراهنة، اسمحوا لي أن أتحدث عن الوفاء والتضحيات.
لا يمكن لأحد أن يتجاهل حجم التضحيات التي قدمتها عشيرة البارزانيين، وما قدمه أبناؤها من آلاف الشهداء على طريق النضال من أجل القضية الكوردية، بدءاً بمآسي الأنفال وحلبجة، مروراً بالملاحم والتضحيات في جبال كوردستان. لقد سُطّرت تلك التضحيات بدماء زكية دفاعاً عن الكرامة والحرية والحقوق المشروعة، وكانت من أبرز المحطات التي صنعت تاريخ النضال الكوردي، وجعلت اسم بارزان رمزاً للصمود والتضحية والثبات، بعيداً عن حسابات المناصب والسلطة.
وأنتم، فخامة الرئيس، ابن هذه المدرسة النضالية، تربّيتم في كنف الزعيم الراحل الملا مصطفى بارزاني، ونهلتم من حكمته وتجربته، وتعلمتم منه الصبر والحكمة والشجاعة في مواجهة الأزمات، والاحتكام إلى العقل بدلاً من الانفعال. فخبرتكم ليست مجرد حصيلة قراءة أو معرفة نظرية، بل هي تجربة ميدانية طويلة، تشكلت عبر سنوات النضال والقيادة، وعبر ما عايشتموه إلى جانب والدكم الراحل.
ومن هنا، فإن دوركم اليوم كبير ومحوري، ولا يمكن إنكار مكانتكم في المشهد السياسي العراقي والكوردي، ولا خبرتكم في التعامل مع الأزمات المعقدة، سواء على مستوى إقليم كوردستان أو في العلاقة بين أربيل وبغداد والسليمانية. فقد أثبتت مواقف كثيرة أن الحكمة والصبر والحوار قادرة على احتواء الأزمات عندما تعجز الأطراف الأخرى عن إيجاد الحلول.
ولهذا أتوجه إليكم بهذه الرسالة، إيماناً مني بأنكم قادرون، بما تمتلكونه من تجربة ومكانة، على الإسهام في لمّ الشمل وتوحيد الصف، كما عهدناكم في محطات مفصلية من تاريخ العراق وكوردستان.
فخامة الرئيس،
اسمحوا لي أن أقولها بصدق المحب وحرص الأخ:
المسافة بين أربيل والسليمانية ليست بعيدة جغرافياً، لكنها أصبحت، مع الأسف، أبعد مما ينبغي سياسياً ونفسياً. فبعد كل انتخابات، يتكرر المشهد ذاته: تعثر في تشكيل الحكومة، وسجالات سياسية، ووساطات من أطراف حريصة على مستقبل الإقليم، يعقبها اتفاق مؤقت أو حلول ترحّل الخلافات بدلاً من معالجتها من جذورها.
إن الجرح الذي تعود جذوره إلى تسعينيات القرن الماضي لم يندمل بصورة نهائية، بل ظل حاضراً في العلاقات بين القيادات الكوردية، وتفاقمت آثاره بعد رحيل الرئيس الراحل جلال الطالباني (مام جلال)، الذي كان يمتلك قدرة استثنائية على احتواء الخلافات، والتقريب بين وجهات النظر، والتعامل مع الأزمات بعقلية رجل الدولة والقائد الحريص على وحدة الصف.
لقد كان مام جلال صمام أمان حقيقياً، ولم يكن مجرد زعيم لحزب سياسي، بل كان جسراً للتواصل والتفاهم بين أربيل والسليمانية، وبين القوى الكوردية وبغداد. وبرحيله، فقدت الساحة السياسية شخصية محورية كانت قادرة على إطفاء نار الخلاف قبل أن تتحول إلى أزمة يصعب احتواؤها.
ولا يخفى عليكم، فخامة الرئيس، أن بعض الجهات الخارجية وجدت في الخلافات الكوردية فرصة لتعزيز نفوذها، واستمالة طرف على حساب آخر، الأمر الذي أسهم في تعميق الفجوة، وفتح المجال أمام التدخلات الخارجية واختراق القرار السياسي. فكلما اتسعت مساحة الخلاف الكوردي ـ الكوردي، ازدادت فرص التدخل الخارجي، وكلما تعاظم ذلك التدخل، تراجعت قدرة الكورد على امتلاك قرار سياسي موحد ومستقل.
فخامة الرئيس،
أقولها بصدق ووضوح: هل يخدم التفكك مصلحة الكورد؟
كلا، وألف كلا.
فعندما كان الكورد أكثر تماسكاً ووحدة في مواقفهم، تمكنوا بعد عام 2003 من تحقيق مكاسب تاريخية لم تكن متاحة لهم في عقود سابقة، من بينها تثبيت إقليم كوردستان دستورياً، وإنشاء برلمانه وحكومته، وتعزيز مؤسساته، وترسيخ مكانة البيشمركة، والحصول على تمثيل مؤثر في بغداد، فضلاً عن تنامي الحضور والاعتراف الدوليين بقضيتهم وحقوقهم.
لكن مع تصدع وحدة الموقف، بدأت المكتسبات تتعرض للاهتزاز، وأصبح الآخرون ينظرون إلى القوى الكوردية بوصفها أطرافاً متنازعة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها ممثلاً لشعب يمتلك قضية مشتركة وموقفاً موحداً.
والأخطر من ذلك كله هو انعكاس هذه الخلافات على مدينة كركوك، التي ترتبط قضيتها ارتباطاً وثيقاً بمستقبل التفاهمات الوطنية والدستورية. فكلما تعمق الخلاف بين أربيل والسليمانية، كانت كركوك من أكثر المناطق تأثراً بتداعياته. هذه المدينة التي كان ينبغي أن تكون قضيتها مدخلاً للحوار والتفاهم والاحتكام إلى الدستور، أصبحت في كثير من الأحيان إحدى ساحات انعكاس الانقسام السياسي.
وإذا استمر هذا التباعد، فإن أهل كركوك، بمختلف مكوناتهم، سيكونون من أبرز المتضررين، كما ستتراجع فرص الوصول إلى حلول عادلة ومستقرة لقضايا المدينة وحقوق أبنائها.
إن التفكك لا يصنع قوتين سياسيتين متكافئتين، بل قد يؤدي إلى إضعاف الجميع، وتحويل كل طرف إلى باحث عن حليف خارجي يحمي مصالحه في مواجهة الطرف الآخر. وهذه معادلة لا تخدم القضية الكوردية، ولا مستقبل الإقليم، ولا استقرار العراق.
فخامة الرئيس،
إن الكورد أكبر من الحزبين، وأكبر من أربيل والسليمانية، وأكبر من الخلافات على المناصب والوزارات والمواقع الإدارية والامتيازات الاقتصادية.
فالقضية الكوردية ليست قضية منصب أو وزارة أو معبر حدودي أو عقد نفطي، بل قضية شعب ناضل وضحّى وصبر، وسقط من أبنائه الآلاف في سبيل الحرية والكرامة والحقوق المشروعة. إنها قضية ارتوت بدماء شهداء الأنفال وحلبجة، وبدماء شهداء بارزان الأبرار، وبتضحيات أجيال متعاقبة من أبناء كوردستان.
ومن غير المقبول أن تكون هذه التضحيات العظيمة عرضة للتراجع أو الضياع بسبب خلافات حزبية ضيقة أو حسابات سياسية مؤقتة.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات المجاملة، ولا وساطات موسمية تنتهي بالتقاط الصور التذكارية، بل إرادة سياسية حقيقية، وقرارات شجاعة، وعودة صادقة إلى لغة الحوار والتفاهم، وتغليب المصلحة القومية والوطنية على المصالح الحزبية والشخصية.
والمطلوب أيضاً تحييد الطموحات الحزبية الضيقة، وإبعاد الخلافات عن التدخلات الخارجية، والعمل على بناء شراكة حقيقية تضمن مشاركة الجميع في إدارة الإقليم، وتحفظ مؤسساته وحقوق مواطنيه، وتصون مستقبله السياسي والدستوري.
فخامة الرئيس،
أنا لست كوردياً، لكنني أقولها من قلب كركوك، ومن خلالكم إلى جميع أبناء الشعب الكوردي وقياداته السياسية:
وحدتكم هي قوتكم، وتفرقكم مصدر ضعفكم.
إن التاريخ لا يرحم من يفرّط بوحدة شعبه، كما أنه لا ينسى من يعمل بإخلاص للحفاظ عليها. وما زالت الفرصة قائمة لتجاوز الخلافات واستعادة الثقة، إذا توفرت النوايا الصادقة والإرادة السياسية التي تضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
وأنتم، بما تحملونه من إرث نضالي وتجربة سياسية، وبما ورثتموه من مدرسة الملا مصطفى بارزاني في الصبر والحكمة والثبات، قادرون على أداء دور تاريخي في تقريب وجهات النظر، ورأب الصدع، وجمع الكلمة.
حفظكم الله، وحفظ كوردستان موحدة وقوية، وحفظ كركوك بجميع مكوناتها، وحفظ العراق وشعبه.
أخوكم ومحبكم،
ياسين الحديدي – كركوك
7 تشرين الثاني 2026