الباحث القانوني علي التميمي .
شهد إقليم كردستان خلال الأيام الأخيرة تطوراً سياسياً لافتاً، تمثل بإعلان أحد الحزبين الرئيسيين انسحابه من حكومة الإقليم وعدم اعترافه بجلسة البرلمان الأخيرة، مع التلويح بتشكيل مؤسسات موازية في محافظتي السليمانية وحلبجة.
وبعيداً عن السجال السياسي، يفرض السؤال الدستوري نفسه: هل يرتب الانسحاب أثراً قانونياً مسقطاً للحكومة والبرلمان؟ وهل يجوز دستورياً تشكيل إقليم جديد من داخل إقليم قائم؟
*أولاً: جلسة البرلمان.. النصاب لا التوافق*
من الناحية الدستورية، صحة انعقاد البرلمان لا تُقاس بدرجة التوافق السياسي بين الكتل، بل بتحقق النصاب القانوني المنصوص عليه في النظام الداخلي.
فإذا حضر العدد المطلوب قانوناً، وهو الأغلبية المطلقة لأعضاء البرلمان، فإن الجلسة تكون صحيحة، وما يصدر عنها من قرارات، ومنها انتخاب هيئة الرئاسة، يكون منتجاً لآثاره القانونية.
ومقاطعة أي كتلة سياسية للجلسة هي حق سياسي مشروع لها، لكنها لا تبطل الجلسة، ولا تنزع الشرعية عن المؤسسة المنتخبة. ولو اعتمد منطق المقاطعة معياراً للشرعية، لتعطلت المؤسسات الدستورية في كل مرة يقاطعها طرف سياسي.
وقد سبق للمحكمة الاتحادية العليا أن ردت دعوى حل برلمان الإقليم، مما أكد بقاءه وشرعيته. وقرارات المحكمة الاتحادية، بموجب المادة (94) من الدستور، باتة وملزمة لجميع السلطات.
*ثانياً: الانسحاب فعل سياسي لا أثر دستوري مسقط*
الحكومة الحالية في الإقليم هي حكومة تصريف أعمال، تستمر في تسيير الشؤون اليومية لحين تشكيل الحكومة الجديدة.
ولا يوجد نص في الدستور الاتحادي أو في قوانين الإقليم يقضي بأن انسحاب حزب سياسي أو استقالة وزرائه يؤدي إلى حل الحكومة تلقائياً.
الانسحاب يعني شغور المناصب الوزارية التي كان يشغلها وزراء الحزب المنسحب، ولا يعني سقوط الحكومة. فالحكومة تبقى قائمة قانوناً بوزرائها الباقين، وتمارس صلاحياتها في حدود تصريف الأعمال.
كما أن إعلان أي حزب عدم اعترافه بالبرلمان أو بالحكومة لا يرتب أثراً قانونياً، لأن الشرعية تُستمد من الدستور والانتخابات، لا من رضا حزب بعينه.
*ثالثاً: تشكيل الحكومة دون أحد الشريكين.. جائز دستورياً*
الدستور لا يشترط مشاركة جميع الكتل الفائزة في الحكومة. الحكومة تتشكل على أساس الأغلبية البرلمانية، ومن يحصل عليها يحق له تشكيل الحكومة.
والقول بأن الحكومة لا تكون شرعية إلا بمشاركة الطرف الآخر هو قول سياسي يستند إلى اتفاقات حزبية سابقة، وليس إلى نص دستوري. والاتفاق الحزبي، مهما بلغت أهميته، لا يعلو على الدستور، ولا يمكن أن يعطل عمل المؤسسات الدستورية إلى الأبد.
*رابعاً: هل يجوز تشكيل إقليم منفصل داخل إقليم قائم؟*
هذه هي النقطة الأخطر في النقاش الدائر.
تنص المادة (117) من الدستور على أن إقليم كردستان إقليم اتحادي قائم، مع محافظاته. أي أن السليمانية وحلبجة هما جزء دستوري من هذا الإقليم، وليستا محافظتين مستقلتين عنه.
أما المادة (119) من الدستور، التي تنص على حق كل محافظة أو أكثر في تكوين إقليم بناءً على طلب بالاستفتاء، فقد وُضعت للمحافظات غير المنتظمة في إقليم، لكي تكوّن إقليماً جديداً. ولم تضع آلية لخروج محافظة من إقليم قائم وانسلاخها منه.
فالدستور تحدث عن كيفية تكوين الأقاليم، ولم ينص على آلية الانسلاخ من إقليم قائم. ولا يجوز القياس في المسائل الدستورية المتعلقة بوحدة الدولة.
وقد سبق للمحكمة الاتحادية العليا أن أصدرت في عام 2017 قراراً تفسيرياً للمادة (1) من الدستور، أكدت فيه عدم وجود نص دستوري يجيز انفصال أي مكون من مكونات النظام الاتحادي، وأن وحدة العراق ملزمة لجميع السلطات. كما قضت في قرار آخر بعدم دستورية الاستفتاء الذي أجري في ذلك العام.
وبذات المنطق، فإن تقسيم إقليم دستوري قائم هو مساس بوحدة الدولة الاتحادية، ولا يجوز إلا بتعديل دستوري أو بتفسير ملزم من المحكمة الاتحادية العليا.
أما قانون تكوين الأقاليم رقم (13) لسنة 2008، فقد نظم إجراءات تكوين إقليم جديد، ولم ينظم إجراءات انفصال محافظة عن إقليم قائم. وبالتالي، لا يوجد طريق قانوني مرسوم لهذا الانسلاخ.
*خامساً: الإعلان من طرف واحد لا يرتب أثراً*
أي إعلان لإقليم جديد بقرار حزبي، أو تشكيل رئيس إقليم موازٍ وحكومة موازية، دون طلب دستوري رسمي، ودون موافقة مجلس الوزراء الاتحادي، ودون استفتاء، ودون قرار من المحكمة الاتحادية العليا، يعتبر عملاً غير دستوري، ولا يترتب عليه أي أثر قانوني، ولا تعترف به الحكومة الاتحادية ولا المجتمع الدولي.
إن التلويح بتشكيل إقليم منفصل يبقى، من الناحية الدستورية، ورقة ضغط سياسية، وليس إجراءً قانونياً قابلاً للتحقق.
*خلاصة*
إن جلسة البرلمان التي استوفت النصاب القانوني هي جلسة صحيحة. وإن الانسحاب من الحكومة هو فعل سياسي لا يسقطها قانوناً. وإن تشكيل الحكومة بالأغلبية البرلمانية جائز دستورياً. وإن الدعوة لتشكيل إقليم منفصل من داخل إقليم قائم تفتقر إلى السند الدستوري، وتتعارض مع المواد (1) و(117) و(119) من الدستور، ومع قرارات المحكمة الاتحادية العليا.
ويبقى الحوار والاحتكام إلى الدستور والقضاء هو الطريق الوحيد لتجاوز الأزمة، بعيداً عن منطق الإدارتين والمؤسسات الموازية، الذي أثبتت التجربة أنه لا يخدم سوى تعميق الانقسام.