انس الشيخ مظهر
لم تعد الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني مجرد خلافات على المناصب وتشكيل الحكومة، بل تجاوزتها إلى التلويح بإنشاء مؤسسات موازية أو رئيس آخر للإقليم أو حكومة منفصلة. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يجوز أن يتحول الخلاف على السلطة إلى تهديد لوحدة كوردستان ومؤسساتها؟
في الأنظمة الديمقراطية حول العالم، لا يملك الحزب الثاني حقاً تلقائياً في المشاركة بالحكومة لمجرد أنه منافس أو شريك سابق. فعندما يحصل حزب أو ائتلاف على الأغلبية البرلمانية، يكون من حقه تشكيل الحكومة وفق القواعد الدستورية، فيما تمارس الأحزاب الأخرى دور المعارضة، أما إذا لم تتحقق الأغلبية فتُجرى مفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي. وهذا هو جوهر المنافسة الديمقراطية: احترام نتائج الانتخابات، وقبول المشاركة في الحكم أو الانتقال إلى المعارضة وفق موازين القوى.
وإذا كان الحزب الديمقراطي قد حصل على العدد الأكبر من مقاعد البرلمان، فإن ذلك يمنحه موقعاً متقدماً في قيادة مفاوضات تشكيل الحكومة، والسعي إلى تأمين الأغلبية اللازمة لها. ولا يوجد ما يجعل مشاركة الاتحاد الوطني في الحكومة حقاً مفروضاً لمجرد رغبته في ذلك، كما أن عدم مشاركته لا يعني إقصاءه أو إنكار حجمه السياسي.
أما دستورياً، فإن التلويح بإنشاء إقليم جديد داخل إقليم كوردستان لا يستند إلى أساس دستوري؛ فالدستور العراقي اعترف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة بوصفه إقليماً اتحادياً، ونظّم تكوين الأقاليم الجديدة من محافظة أو أكثر، ولم يفتح الباب لإنشاء إقليم موازٍ داخل إقليم قائم ومعترف به. كما أن إعلان حزب سياسي عن مشروع من هذا النوع لا يمنحه صفة دستورية ولا ينشئ سلطة جديدة.
كذلك، فإن مقاطعة كتلة سياسية لجلسة البرلمان لا تبطل انعقادها تلقائياً إذا اكتمل النصاب واستوفيت الإجراءات الدستورية، كما أن انسحاب حزب من الحكومة لا يؤدي بمجرده إلى سقوطها أو إنهاء وجودها الدستوري. ومن الناحية القانونية، لا يكفي الاعتراض السياسي أو الانسحاب من المشاركة لتأسيس طعن دستوري ناجح ما لم يستند إلى مخالفة دستورية محددة. وقد رفضت المحكمة الاتحادية العليا، في 26 أكتوبر 2026، دعوى طالبت بحل برلمان كوردستان، وقررت أن القضية تخرج عن اختصاصها. وهذا يؤكد أن اللجوء إلى القضاء لا يعني بالضرورة امتلاك أساس قانوني لإبطال المؤسسات أو تغيير الواقع السياسي بقرار قضائي.
وقد يُقال إن العلاقة بين الحزبين تستند إلى اتفاق استراتيجي، وليس إلى نتائج الانتخابات وحدها. لكن هذا الاتفاق شهد خلال السنوات الماضية خلافات وخروقات متكررة من جانب الاتحاد الوطني، في مواقف ومحطات سياسية مهمة أضعفت التفاهمات بين الطرفين. ولا يمكن أن يكون الاتفاق التزاماً على الحزب الديمقراطي وحده، بينما يصبح اختيارياً بالنسبة إلى الاتحاد الوطني، أو أن تُستحضر الشراكة عند توزيع المناصب وتُتجاوز عند اتخاذ المواقف السياسية والقرارات المصيرية.
لكن الأزمة الحالية يمكن أن تكون فرصة لعقد اتفاق جديد بين الحزبين، يستند إلى الوقائع السياسية والانتخابية وتغير الظروف، لا إلى التمسك الحرفي باتفاق وُضع في مرحلة مختلفة. وليس ضرورياً أن يكون الاتفاق الجديد امتداداً للاتفاق الاستراتيجي السابق؛ فقد يقوم على مبدأ الأغلبية البرلمانية التي تشكل الحكومة، مع ضمان حقوق المعارضة، أو على أي صيغة أخرى يتوافق عليها الطرفان. المهم أن يكون اتفاقاً واضحاً ومتبادلاً، يحترم نتائج الانتخابات والدستور ويحفظ وحدة الإقليم، بدلاً من فرض الإرادات أو التلويح بسلطات موازية.
من حق الاتحاد الوطني أن يعترض على نتائج المفاوضات، أو يرفض المشاركة في الحكومة، أو ينسحب منها، لكن ليس من حقه تحويل الخلاف السياسي إلى مشروع لتفكيك مؤسسات الإقليم. وإذا كان لديه مشروع سياسي مختلف، فليطرحه أمام الناخبين وينافس به ديمقراطياً.
السليمانية ليست ملكاً للاتحاد الوطني، كما أن أربيل ليست ملكاً للحزب الديمقراطي؛ فكلاهما جزء من كوردستان، ومؤسسات الإقليم ليست ممتلكات حزبية تُقسّم عند تعثر المفاوضات. إن العودة إلى الإدارتين والسلطات المتوازية ستضعف كوردستان أمام بغداد وتربك علاقاتها الخارجية. وعلى قيادة الاتحاد الوطني أن تختار بين الحوار والتفاهمات الجديدة أو المضي في مشروع الإدارة الموازية، فخلافات الحزبين لا ينبغي أن تتحول إلى تهديد لوحدة الإقليم. ويمكن تغيير الحكومات والتحالفات، لكن وحدة كوردستان ليست موضع مساومة، فهي أكبر من الحزبين وقياداتهما.