ظاهرة الحاشية المتنقلة في الإدارة العامة العراقية!!

بقلم: غيث العبيدي

«دراسة تحليلية في بنية الولاء المؤسسي في العراق»

المقدمة:

من الظواهر الإدارية المستحدثة في بيئة النظام الأداري للمؤسسات العراقية، ما يعرف بمصطلح “الحاشية المتنقلة” وتتمثل هذه الظاهرة في انتقال مجموعة من الموظفين المقربين مع المدير العام عند تدويره من مؤسسة حكومية إلى أخرى، عبر أوامر نقل وتنسيب وتكليف متزامنة، وتسنيمهم في مواقع حساسة بعيداً عن معايير الكفاءة والاختصاص.

وبالاعتماد على المنهج الوصفي التحليلي، نجد أن هذه الظاهرة تمثل شكلاً من أشكال الفساد البنيوي المقنن، الذي يعيد إنتاج شبكات المحاباة، ويقوض مبدأ حياد المؤسسات واستمراريتها.

الدولة الحديثة، تقوم على مبدأين أساسيين وهما استمرارية المؤسسة بغض النظر عن الأشخاص، وحياد البيئة المؤسساتية القائم على الولاء للقانون وليس للأشخاص. غير أن الممارسة الإدارية في العراق بعد عام 2003 أفرزت نمطاً يتناقض مع هذين المبدأين.

فلماذا تترافق دائماً مع عملية تدوير المديرين العامين في المؤسسات الحكومية الحساسة حركة نقل جماعي لموظفين مقربين منهم، وما أثر ذلك على أداء المؤسسات العامة؟ وينبثق من هذا التساؤل الأسئلة الفرعية التالية:

1️- ما الدوافع الكامنة وراء نقل المجموعات المقربة مع المدير العام؟

2- ما الآليات الإدارية المستخدمة في تنفيذ هذا النقل؟

3- ما هي انعكاسات هذه الظاهرة على معايير الكفاءة والاستحقاق؟

أولاً: مفهوم الحاشية المتنقلة.

نعرفها إجرائياً بأنها عملية انتقال طوعي منظم لمجموعة من الموظفين تربطهم علاقة ولاء شخصي بمدير عام معين، من مؤسسة إلى أخرى تبعاً له، عبر استخدام أدوات النقل والتنسيب والتكليف، بهدف إعادة تمركزه في بنية المؤسسة الجديدة.

ثانياً: مفهوم الولاء المؤسسي مقابل الولاء الشخصي.

الولاء المؤسسي هو التزام الموظف بالقانون وأهداف المؤسسة التي يعمل بها، أما الولاء الشخصي فهو التزام الموظف بشخص الرئيس الذي وفر له الحماية والتكليف والترقية.

وتشير أدبيات الإدارة العامة إلى أن تغليب الولاء الشخصي هو المؤشر الأول على تحول الهرم الإداري من أداة خدمة عامة إلى أداة نفوذ خاص.

ثالثاً: مظاهر الظاهرة وآلياتها.

من خلال ملاحظة القرارات الإدارية، يمكن رصد الظاهرة عبر ثلاثة مؤشرات:

أ. التزامن الزمني، حيث تصدر أوامر النقل والتنسيب خلال فترة زمنية قصيرة جداً، غالباً ما تكون 48-72 ساعة بعد صدور أمر تدوير المدير العام، مما ينفي فرضية الحاجة الإدارية العارضة ويثبت فرضية التخطيط المسبق.

ب. التمركز في المواقع الحساسة، فلا يتم توزيع الموظفين المنقولين بشكل عشوائي، بل يتم تسنيمهم بشكل مباشر على مفاصل حساسة ومؤثرة في المؤسسة الجديدة، وتحديداً في أقسام، مثل مكتب المدير العام، المتابعة، العقود والمشتريات، الحسابات والتدقيق.. وهكذا، وهي الأقسام التي تمثل مفاتيح القرار المالي والإداري.

ج. الفجوة بين المؤهلات والمناصب، يكشف تحليل المسارات الوظيفية للمنقولين عن وجود فجوة واضحة بين المؤهل العلمي والاختصاص الوظيفي وبين المناصب الجديدة المسندة لهم، مما يؤكد أن معيار الاختيار لم يكن الكفاءة والخبرة والاختصاص، بل العلاقة الشخصية والنفوذ الإداري.

رابعاً: التحليل آثار الظاهرة.

1- على مستوى بناء الدولة:

إن القاعدة الدستورية والإدارية تؤكد أن المؤسسة الحكومية ليست ملكاً للمدراء والمسؤولين، والمناصب ليست مكافآت تمنح للمقربين. وهذه الظاهرة تعكس خصخصة ضمنية للمؤسسة العامة، حيث يتعامل المدير مع المؤسسة كملكية شخصية تنتقل معه أينما ذهب.

2️- على مستوى الفساد:

إن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن في كونها مخالفة إدارية فحسب، بل في كونها حاضنة لإعادة إنتاج الفساد. فهي تؤدي إلى تشكيل شبكات نفوذ داخل مؤسسات الدولة، وتفتح المجال أمام تبادل المصالح وإعادة إنتاج الفساد بأساليب إدارية يصعب اكتشافها أو ملاحظتها بسهولة. فالفساد هنا لا ينتقل كحادثة، بل ينتقل كبنية جاهزة.

3️- على مستوى الكفاءة والعدالة التنظيمية:

تؤدي الظاهرة إلى إحباط رأس المال البشري الأصيل في المؤسسات المنقولين اليها، وتجمد كفاءاتها، وإحلال عناصر وافدة على أساس الولاء لا الكفاءة، مما يخل بمبدأ الاستحقاق ويضعف الأداء المؤسسي العام.

الخاتمة والاستنتاج:

أن ظاهرة الحاشية المتنقلة هي شكل من أشكال الفساد البنيوي المقنن بأوامر إدارية متفق عليها، والآلية الأساسية لها هي، استغلال صلاحيات النقل والتنسيب والتكليف، لتحقيق الولاءات الشخصية للمسؤولين. ومن أهم أثارها المباشرة هي تحويل المناصب العامة من وظيفة عامة قائمة على القانون، إلى إرث خاص للمسؤولين. والدولة التي تسمح بانتقال الحاشية كظل للمسؤول، هي دولة تقر ضمناً بأن الأشخاص أقوى من المؤسسات، وهذا هو التعريف الإجرائي للدولة الهشة.

قد يعجبك ايضا
∧