الكاتب: محمد عبد الرزاق
يتردد في اوساط كثيرة ان اوروبا بحاجة الى العرب والمسلمين وان وجودهم ضرورة لا غنى عنها والحجة معروفة فأوروبا تحتاج الى الايدي العاملة لأجل اقتصادها وتعاني من ارتفاع نسبة كبار السن وقدوم المهاجرين يعيد التوازن الى تركيبتها السكانية هذا المنطق سليم في ظاهره لكنه لا يصح الا في ظروف بعينها يصح حين لا يكون هناك خطر يهدد القارة وحين يسود السلم وحين يكون الهم الاول اعمار الاقتصاد وتشغيل مصانعه.
غير ان الصورة تتبدل جذريا حين تقترب الحرب فالقارة في زمن الحرب لا تبحث عن ايد عاملة وانما عن جنود وعندما تحتاج اوروبا الى جنود يقاتلون تتغير حساباتها كلها وتصبح الاعتبارات الاقتصادية ثانوية امام معيار واحد هو من سيقف معها في الميدان وبين منطق الاقتصاد ومنطق الامن مسافة تتسع كلما اقتربت المخاطر فالأول يقيس القيمة بالإنتاج والثاني يقيسها بالاستعداد للتضحية.
وهنا يبرز مكمن الخلل في تلك المغالطة المنتشرة فاوروبا تعتبر ان اغلبية المسلمين وخاصة العرب لن يكونوا في صفها حين تشتعل الحرب وان ارتباطهم بها ضعيف وهي تعلم ان نسبة كبيرة منهم تدعم الشرق كروسيا والصين وتعلم ايضا ان نسبة كبيرة من المهاجرين وصلوا عبر البحر هربا من الحروب في بلدانهم.
فمن هذه النقطة تتشكل معادلة الثقة فمن فر من الحرب في بلاده لا تتوقع اوروبا ان يبقى على ارضها ليحارب دفاعا عنها وهو الذي ترك بلاده للدمار ولم يدافع عنها فكيف يدافع عن قارة اخرى وفوق ذلك كله تدرك اوروبا ان ميله الى حلف الشرق اكبر من ميله اليها وبهذا تنهار فرضية الحاجة الى المهاجرين حين ينتقل الحديث من السوق الى الميدان.
وهذا ما يجعل الخطاب الذي يتحدث عن حاجة اوروبا الى المهاجرين يتجاهل جوهر القضية فالمسالة ليست كم عاملا تحتاج القارة وانما كم مقاتلا تثق به وما دامت الثقة ناقصة في نظرها فان رصيد الحاجة الاقتصادية لا يشفع لاحد.
والمهم ان هذا تقدير اوروبي للواقع يقوم على حسابات القلق والشك وهو على الاغلب حكما اخلاقيا فالدول في لحظات الخطر لا تبني قراراتها على الصور الجميلة وانما على ما تظنه احتمالات الثقة والريبة فما تخشاه اوروبا هو ان يتحول من استقدمته لخدمة اقتصادها الى ثغرة في صفها الداخلي لحظة الاختبار.
ومن هذا المنظور يصبح عنوان تنظيف الداخل مفهوما فالقارة التي تتهيأ لمواجهة الحتمية تريد ان تأمن الى بيتها قبل ان تنظر الى حدودها وهذا ما يغيب عن اصحاب الحجة القديمة التي تقول ان اوروبا لا تستغني عنا فالحاجة الى الايدي تصلح لزمن السلم، اما زمن الحرب فيحكمه معيار الصف والثقة ولا يعترف بغيره ، ومن يكتفي بمتابعة المشهد من زاوية الاقتصاد وحده يضيع عليه فهم اوروبا.