الحرب الروسية الأوكرانية.. من أشعل الفتيل ومن يدفع فاتورة الصراع؟

جمعه المالكي

روسيا وأوكرانيا دولتين جارتين وكانتا من أهم دول الاتحاد السوفيتي الذي تفكك بتاريخ 26 / 1 / 1991 ولم تُعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين جارتين لكن تحولت إلى واحدة من أخطر الأزمات الدولية التي أعادت رسم موازين القوى في العالم ووضعت أوروبا أمام تحديات أمنية واقتصادية لم تكن تتوقعها بعد انتهاء الحرب الباردة.

ومنذ اندلاع المواجهة العسكرية الشاملة في 24 / 2 /2022 والعالم يراقب حرباً تتداخل فيها المصالح السياسية والعسكرية والاقتصادية فيما أصبحت أوكرانيا ساحة مفتوحة لصراع أكبر من حدودها الجغرافية عنوانه الأساسي المواجهة بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وحلفائها الغربيين من جهة أخرى.

ومن الخطأ اعتبار يوم 24 شباط 2022 بداية الأزمة الروسية الأوكرانية فالجذور تعود إلى عام 2014، عندما شهدت أوكرانيا احتجاجات سياسية واسعة أطاحت بالرئيس (فيكتور يانوكوفيتش) بعد خلاف بشأن اتفاق التقارب مع الاتحاد الأوروبي أعقبها دخول روسيا إلى شبه جزيرة القرم وضمها ثم اندلاع المواجهات المسلحة في إقليم دونباس شرقي أوكرانيا بين القوات الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من موسكو.

ومنذ ذلك الوقت دخل البلدان في أزمة مفتوحة رغم اتفاقيات مينسك التي كان يفترض أن تضع حداً للمواجهات لكنها لم تنجح في إنهاء الصراع. أما الأسباب الأعمق فتتعلق بموقع أوكرانيا الاستراتيجي فهي تمثل منطقة فاصلة بين روسيا وأوروبا وتكتسب أهمية كبيرة في الحسابات الأمنية والعسكرية الروسية.

موسكو اعتبرت أن توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) باتجاه حدودها واحتمال انضمام أوكرانيا إلى الحلف مستقبلاً يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وفي المقابل ترى كييف أن من حقها اختيار تحالفاتها وعلاقاتها الدولية وأن التقارب مع الغرب يمثل ضمانة لاستقلالها وسيادتها، وهنا تحولت الأزمة من خلاف سياسي إلى صراع على مستقبل أوكرانيا وموقعها في النظام الدولي.

ولا يمكن قراءة هذه الحرب بعيداً عن الدور الأمريكي والأوروبي خصوصاً أن واشنطن عملت خلال السنوات الماضية على توسيع نفوذها السياسي والعسكري في أوروبا الشرقية ودعم توجه أوكرانيا نحو المؤسسات الغربية فيما واصل حلف الناتو تعزيز علاقاته العسكرية مع كييف، ومن المهم الإشارة إلى أن قمة الناتو في بوخارست عام 2008 فتحت الباب أمام احتمال انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى الحلف مستقبلاً وهو ما أثار قلقاً روسياً متزايداً.

وبعد أحداث عام 2014 قدمت الولايات المتحدة والدول الأوروبية دعماً سياسياً وعسكرياً واقتصادياً لأوكرانيا ثم اتسع هذا الدعم بشكل كبير بعد الحرب الشاملة عام 2022 من خلال تزويدها بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والتدريب والمساعدات المالية، لكن هل يعني ذلك أن الولايات المتحدة والغرب يتحملان وحدهما مسؤولية الحرب؟

هناك فرق بين المساهمة في خلق بيئة سياسية وأمنية متوترة وبين اتخاذ قرار استخدام القوة العسكرية فقرار روسيا شن الحرب الشاملة كان قراراً روسياً ولا يمكن إعفاء موسكو من مسؤوليته القانونية والسياسية، وفي المقابل لا يمكن تجاهل أن السياسات الغربية تجاه روسيا وتوسع الناتو وعدم الوصول إلى تفاهمات أمنية متوازنة ساهمت في تعقيد الأزمة ودفعها نحو مواجهة كان بالإمكان العمل على تجنبها ، لذلك فهذه الحرب نتيجة تراكمات سياسية وأمنية وليس مجرد حدث مفاجئ بدأ صباح 24 شباط 2022.

لم تتوقف آثار الحرب عند حدود أوكرانيا وروسيا بل امتدت إلى الاقتصاد العالمي وكانت أوروبا من أكثر المناطق تأثراً بسبب اعتمادها الكبير قبل الحرب على إمدادات الطاقة الروسية. فروسيا كانت مورداً رئيسياً للغاز والنفط إلى الأسواق الأوروبية ومع العقوبات الغربية وتقليص الإمدادات الروسية وجدت دول الاتحاد الأوروبي نفسها أمام أزمة طاقة حقيقية.

ارتفعت أسعار الغاز والكهرباء والنفط وزادت تكاليف الإنتاج والنقل والصناعة وواجهت الأسر الأوروبية أعباء معيشية إضافية خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على الغاز الروسي ، كما اضطرت أوروبا إلى البحث عن مصادر بديلة والاعتماد بصورة أكبر على الغاز الطبيعي المسال القادم من الولايات المتحدة وقطر ودول أخرى فضلاً عن تعزيز استيراد الطاقة من أسواق مختلفة ، وهنا ظهرت مفارقة اقتصادية وسياسية مهمة ، فأوروبا التي كانت تعتمد على الغاز الروسي بأسعار تنافسية أصبحت مضطرة إلى تنويع مصادرها وتحمل تكاليف إضافية في عمليات الاستيراد والنقل والتخزين ، وبحسب بيانات المفوضية الأوروبية انخفضت حصة الغاز الروسي من واردات الاتحاد الأوروبي من نحو 45 % عام 2021 إلى قرابة 12% عام 2025.

أما التأثير العالمي فلم يقتصر على أسواق الطاقة بل شمل الحبوب والأسمدة والمواد الغذائية خصوصاً أن روسيا وأوكرانيا من الدول المهمة في إنتاج وتصدير القمح والحبوب والزيوت النباتية ، وهذا انعكس على أسعار الغذاء في عدد من الدول ولا سيما الدول التي تعتمد على الاستيراد وأثار مخاوف بشأن الأمن الغذائي العام أماعن أسواق النفط والغاز فالحرب أثبتت أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية، وانما أصبحت ورقة ضغط سياسي واستراتيجي تستخدمها الدول في صراعات النفوذ ، فروسيا تمتلك احتياطيات وإنتاجاً كبيراً من النفط والغاز وأي اضطراب في صادراتها ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأسواق العالمية.

كما أن العقوبات الغربية لم تنجح في إيقاف صادرات النفط الروسية بصورة كاملة إذ استطاعت موسكو إعادة توجيه جزء كبير من صادراتها نحو الأسواق الآسيوية خصوصاً الصين والهند وفي المقابل استفادت الولايات المتحدة من زيادة الطلب الأوروبي على الغاز الطبيعي المسال ووسعت حضورها في سوق الطاقة الأوروبية، ولكن من الخطأ القول إن الولايات المتحدة كانت الرابح الوحيد فارتفاع أسعار الطاقة ألحق أضراراً بالاقتصاد الأوروبي والعالمي وخلق أعباءً جديدة حتى على الاقتصادات الكبرى.

وبعيداً عن الدعاية السياسية والإعلامية التي تصدر عن طرفي الصراع وتقييم من هو المنتصر: عسكرياً حققت روسيا مكاسب ميدانية مهمة وما زالت تسيطر على نحو 20 % من الأراضي الأوكرانية بما فيها شبه جزيرة القرم واهمية موقعها الجيوسياسي وأجزاء من دونباس ومناطق أخرى وتمتلك موسكو تفوقاً في حجم القوات والقدرات النارية والموارد العسكرية لكنها دفعت ثمناً بشرياً ومادياً كبيراً.

في المقابل تمكنت أوكرانيا من الحفاظ على وجود دولتها ومؤسساتها ومنعت روسيا من تحقيق هدف السيطرة السريعة على العاصمة كييف وإسقاط الحكومة الأوكرانية كما واصلت استهداف مواقع عسكرية ومنشآت نفطية روسية باستخدام الطائرات المسيرة والأسلحة بعيدة المدى وأكيد هذا لم يتحقق لولا وقوف ودعم الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية مع أوكرانيا.

أما سياسياً لم تحقق روسيا حتى الآن جميع أهدافها المعلنة ولم تنجح الولايات المتحدة وحلفاؤها في تحقيق هدف إخراج روسيا من الأراضي الأوكرانية أو إضعافها إلى الحد الذي يفرض عليها الاستسلام كما أن العقوبات الاقتصادية لم تؤد إلى انهيار الدولة الروسية رغم الضغوط الكبيرة التي تعرض لها اقتصادها بينما أصبحت أوكرانيا أكثر اعتماداً على الدعم العسكري والمالي الغربي.

ومن هنا يمكن القول إن روسيا تمتلك أفضلية ميدانية من ناحية السيطرة على الأراضي لكنها لم تحقق نصراً استراتيجياً حاسماً فيما نجحت أوكرانيا بعدم أنهزامها كدولة لكنها لم تتمكن من استعادة جميع أراضيها، أما الغرب فقد نجح في دعم أوكرانيا وإطالة قدرتها على الصمود لكنه لم يحقق أهدافه الكبرى في حسم المواجهة مع موسكو.

وممكن أن نشير في ختام المقال: كانت تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية فرصة اقتصادية كبيرة للعرق يمكن أن يستفيد منها بصورة أوسع، فلو امتلك العراق طاقة تصديرية نفطية تفوق قدراته الحالية واستثمر ثروته الغازية عبر الاستخراج والمعالجة والتصدير إلى جانب تنويع منافذ تصدير النفط بعيداً عن الاعتماد على مسار واحد لكان بالإمكان تحقيق إيرادات مالية إضافية ضخمة تسهم في إعادة تشغيل المصانع المتوقفة وتطوير القطاع الزراعي وبناء بنية تحتية إنتاجية تقلل الاعتماد على الاستيراد.

لكن تبقى القضية الأهم ليست المشكلة في حجم الثروات التي يمتلكها العراق، بل في كيفية إدارتها وحمايتها، فكل هذه الإمكانات ستبقى فرصاً ضائعة ما لم تقترن بإدارة اقتصادية رشيدة، ورقابة حقيقية، ومحاسبة صارمة للفاسدين، وقطع الطريق أمام سرقة المال العام.

العراق لا تنقصه الثروات بل يحتاج إلى دولة تحسن استثمارها وتحميها من النهب وتجعل عائداتها في خدمة الشعب وبناء الاقتصاد لا في خدمة شبكات الفساد.

قد يعجبك ايضا
∧