فؤاد حمه خورشيد.. جغرافيا الهوية

 

 

محمد علي محيي الدين

 

 

فؤاد حمه خورشيد، باحث ومؤلف ومحلل سياسي كوردي، وُلد في بغداد عام 1943، واتخذ من البحث العلمي والتدريس والتأليف مسارات متكاملة لفهم التاريخ والجغرافيا والسياسة، ولا سيما ما يتصل بالقضية الكوردية وجذورها التاريخية وامتداداتها الجغرافية. وفي تجربته الفكرية، لا تبدو الجغرافيا مجرد خرائط وحدود وأقاليم، بل فضاءً تتداخل فيه الذاكرة واللغة والهوية، وتتفاعل داخله عوامل التاريخ مع تحولات السياسة وموازين القوة.

 

بدأ خورشيد مسيرته المهنية مدرساً وباحثاً علمياً في وزارة التربية ببغداد بين عامي 1968 و1990، وهي مرحلة أتاحت له الاقتراب من المعرفة بوصفها عملاً منهجياً يقوم على البحث والتدقيق والتراكم. ثم انتقل إلى التدريس الجامعي، فأصبح أستاذاً للجغرافية السياسية في جامعة الأنبار بمدينة الرمادي بين عامي 1990 و1995، قبل أن يعمل أستاذاً للجغرافية السياسية والجيوبولتيكفي جامعة بغداد من عام 1995 حتى 2003. وفي هذه المحطات الأكاديمية تبلور اهتمامه بالعلاقة بين المكان والسلطة، وبين الجغرافيا والتحولات التي تصوغ مصائر الشعوب.

 

ومع عام 2003، اتخذت تجربته منحى ثقافياً ومؤسساتياً جديداً، إذ تولّى إدارة دار الثقافة والنشر الكوردية في بغداد حتى عام 2009. وقد مثّل هذا الموقع امتداداً طبيعياً لاهتمامه بالمعرفة الكوردية، من خلال ما تتيحه المؤسسات الثقافية من فرص لحفظ النتاج الفكري وتوثيق الذاكرة وتعزيز حضور اللغة والثقافة. وبعد ذلك، واصل عمله الأكاديمي أستاذاً محاضراً في جامعة السليمانية في كوردستان، ابتداءً من عام 2009، مستمراً في الجمع بين البحث والتدريس والإسهام في دراسة قضايا الهوية والتاريخ والجغرافيا السياسية.

 

تتجلى ملامح مشروعه الفكري في تنوع مؤلفاته، التي لا تقتصر على حقل معرفي واحد، بل تتوزع بين دراسة الكورد وتاريخهم ولغتهم، والبحث في أصولهم، وتحليل القضية الكوردية في سياقاتها الدولية، وصولاً إلى دراسة الجيوبولتيك بوصفه منهجاً لفهم علاقة الجغرافيا بالسياسة. وقد صدر له عام 1971 كتاب «الأكراد: دراسة علمية موجزة» عن مطبعة الساعة في بغداد، وهو من الأعمال المبكرة التي تكشف عن اهتمامه بتقديم القضية الكوردية في إطار بحثي. ثم جاءت ترجمته لكتاب «العشائر الكوردية» عام 1979، الصادر عن مطبعة الحوادث في بغداد، بما يعكس عنايته بالمصادر التي تتناول البنية الاجتماعية والتاريخية للمجتمع الكوردي.

 

ولم تكن اللغة عند خورشيد موضوعاً منفصلاً عن الجغرافيا، بل عنصراً أساسياً في فهم توزع الجماعات وتاريخ تشكلها الثقافي. ففي عام 1983، أصدر كتابه «اللغة الكوردية والتوزيع الجغرافي للهجاتها» عن مطبعة الوسام في بغداد، وهو من أبرز أعماله في هذا المجال، وقد تُرجم إلى الكوردية والفارسية والإنكليزية والسويدية والإيطالية. ويشير انتقال الكتاب إلى لغات متعددة إلى اتساع المجال الذي يمكن أن تتحرك فيه المعرفة حين تتجاوز حدودها المحلية، كما يؤكد أهمية دراسة اللهجات وتوزعها الجغرافي في فهم التنوع اللغوي وصلاته بالتاريخ والمجتمع.

 

وفي سياق اهتمامه بالمصادر التاريخية، ترجم عام 1986 كتاب «العصر الجليدي البلاستوسيني في كوردستان»، من تأليف البروفسور ه. أ. رايت، وصدر عن مطبعة الجاحظ في بغداد، كما ترجم في العام نفسه كتاب «الكرد في المصادر القديمة» للأستاذ ج. ر. درايفر، عن مطبعة الديواني. ويكشف هذان العملان عن اتساع اهتمامه من الجغرافيا البشرية والسياسية إلى الجغرافيا الطبيعية والمصادر التاريخية القديمة. فالكتابة عن شعب وتاريخه لا تكتمل بالوقوف عند الأحداث السياسية وحدها، وإنما تحتاج أيضاً إلى قراءة الأرض وتحولاتها، وتتبع ما تركته المصادر من إشارات وشواهد تساعد على فهم الماضي في سياقه الأوسع.

 

وفي مرحلة لاحقة، اتجهت مؤلفاته بصورة أكثر مباشرة إلى القضية الكورديةفي أبعادها السياسية والتاريخية. فقد نشر كتاب «القضية الكوردية في المؤتمرات الدولية» عن مطبعة موكريان في أربيل عام 2001، ثم أصدر «أصل الكورد» عن دار التآخي عام 2003، وأعيد نشر الكتاب بطبعة ثانية عن مطبعة سەردەم في السليمانية عام 2011. وفي عام 2012، صدر له كتاب «أصل الكورد واللغة الكوردية» عن الدار نفسها. ومن خلال هذه الأعمال، يتضح أن البحث في الأصول واللغة لم يكن لديه منفصلاً عن دراسة تشكل الهوية، بل جزءاً من محاولة أوسع لفهم الجذور التاريخية والخصائص الثقافية في ضوء ما تتيحه المصادر والدراسات.

 

وتبرز كركوك في مشروعه بوصفها أكثر من مدينة ذات موقع جغرافي؛ فهي أيضاً موضوع تتقاطع عنده أسئلة التاريخ والانتماء والسياسة. وقد خصها بكتابه «كركوك قلب كوردستان»، الصادر عن وزارة الثقافة في كوردستان عام 2005، والذي تُرجم إلى اللغة الكوردية ونشرته مطبعة المنارة في أربيل عام 2007. كما ألّف باللغة الكوردية كتاباً عن «الجنرال شريف باشا»، صدر عن دار الشؤون الثقافية في بغداد عام 2007. وفي العام التالي، نشر الكتاب الذي يحمل عنوان «الجيوبولتيك وجمهورية كوردستان الديمقراطية عام 1946»، عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، مستعيداً إحدى المحطات المهمة في التاريخ السياسي الكوردي من زاوية الجغرافيا السياسية.

 

أما الجيوبولتيك، فقد احتل مساحة محورية في نتاجه، لا بوصفه مصطلحاً نظرياً فحسب، بل باعتباره أداة لتحليل حركة الدول والشعوب، وفهم أثر الموقع والحدود والموارد والتوازنات الإقليمية في صنع القرار السياسي. وفي هذا الإطار، صدر له عام 2009 كتاب «الجيوبولتيك: المفهوم والتطبيق» عن دار الشؤون الثقافية في بغداد، ثم كتاب «الجيوبولتيك المعاصر: تحليل، منهج، سلوك» عن مديرية الطبع والنشر في السليمانية عام 2013. وفي العام نفسه، نشر «الجيوبولتيك النقدي والربيع العربي» عن دار الثقافة والنشر الكوردية في بغداد، متناولاً مجالاً تتقاطع فيه النظريات السياسية مع التحولات التي شهدتها المنطقة العربية.

 

وتكشف هذه العناوين عن اهتمام يتجاوز الوصف الجغرافي إلى مساءلة الطريقة التي تُنتج بها السياسة تصوراتها عن المكان، وكيف تتحول الحدود والمواقع إلى عناصر فاعلة في الصراع والتفاوض وإعادة تشكيل العلاقات بين القوى. ومن هنا، تبدو الجغرافيا السياسية في أعمال خورشيد مدخلاً لفهم الواقع، لا مجرد تخصص أكاديمي محدود؛ فهي تربط بين التاريخ والحاضر، وتمنح الباحث أدوات لقراءة ما وراء الوقائع الظاهرة، مع ضرورة إخضاع الاستنتاجات للمصادر والقرائن والتحليل المنهجي.

 

وامتد اهتمامه باللغة الكوردية وتوزع لهجاتها إلى المجال الفارسي أيضاً، إذ تُرجمت دراسته المعنونة «اللغة الكوردية والتوزيع الجغرافي للهجاتها» إلى الفارسية، بترجمة الدكتور سعيد خضري وجعفر خضري، ونُشرت في طهران عام 1389 وفق التقويم الوارد في بيانات الكتاب. ويعزز هذا الحضور متعدد اللغات صورة الباحث الذي تتجاوز أعماله حدود بيئتها الأولى، وتدخل في حوار مع قراء ينتمون إلى ثقافات ولغات مختلفة.

 

وفي عام 2018، أصدر كتاب «خريطة كوردستان: دراسة في الجغرافية السياسية» في السليمانية، ليضيف إلى مسيرته عملاً يلتقي فيه التمثيل المكاني بالتحليل السياسي. فالخريطة، في هذا السياق، ليست رسماً محايداً فحسب، بل وسيلة لعرض التصورات المتعلقة بالمجال الجغرافي، وفهم العلاقة بين المكان والهوية والمطالب السياسية. وتظل قراءة الخرائط، شأنها شأن قراءة التاريخ، بحاجة إلى معرفة دقيقة بالسياقات التي أنتجتها وبالاختلافات في تفسيرها.

 

إن تجربة فؤاد حمه خورشيد، كما تعرضها سيرته المنشورة في موقع «الحوار المتمدن»، تقدم صورة لباحث جمع بين التدريس الجامعي والتأليف والترجمة والعمل الثقافي، واشتغل على موضوعات متداخلة يصعب فصل بعضها عن بعض: اللغة والتاريخ والجغرافيا والهوية والسياسة. وتكمن أهمية هذا المسار في تنوع مصادره ومجالاته، وفي سعيه إلى تناول القضية الكوردية عبر أكثر من مدخل معرفي، من دراسة اللهجات والمصادر القديمة إلى تحليل المؤتمرات الدولية والتحولات الجيوبولتيكية.

 

وبين بغداد والرمادي والسليمانية، وبين قاعات التدريس وصفحات الكتب ومؤسسات الثقافة والنشر، تشكلت رحلة علمية طويلة جعلت من البحث وسيلة لفهم المكان وما يحمله من طبقات تاريخية وثقافية وسياسية. وفي عالم تتبدل فيه الحدود وموازين القوى، تبقى الحاجة قائمة إلى دراسات تربط الوقائع بسياقاتها، وتقرأ الهوية من خلال التاريخ واللغة والجغرافيا معاً؛ وهي المساحة التي انشغل بها فؤاد حمه خورشيد، تاركاً نتاجاً متنوعاً يشهد على اتساع اهتماماته واستمرار حضوره في ميدان البحث الكوردي والجغرافيا السياسية.

 

 

 

قد يعجبك ايضا
∧