القائمة المشتركة في الكنيست الإسرائيلي: مكوناتها السياسية والفكرية ودلالات تجربتها الانتخابية

دراسة سياسية تحليلية – تشرين الأول 2026
إعداد ومراجعة
د. علي مهدي
مقدمة
تحمل نتائج الانتخابات الأخيرة للكنيست الإسرائيلي دلالات سياسية تتجاوز مجرد توزيع المقاعد البرلمانية، ولا سيما فيما يتعلق بواقع التمثيل السياسي للمواطنين العرب داخل إسرائيل، وانعكاساته المحتملة على طبيعة التوازنات البرلمانية وتشكيل الحكومات والائتلافات السياسية المقبلة. فقد حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعداً من أصل 19 مقعداً حصلت عليها القوائم العربية، مقابل 8 مقاعد للقائمة العربية الموحدة (رعام). ويعكس هذا التقدم قدرة القائمة المشتركة على جمع قوى سياسية ذات مرجعيات وتوجهات مختلفة ضمن إطار انتخابي واحد، بما أتاح لها توسيع قاعدتها الانتخابية وتعزيز حضورها البرلماني.
وتكتسب هذه النتيجة أهميتها من طبيعة المكونات التي تشكل القائمة المشتركة، ومن قدرتها على تجاوز الاختلافات الفكرية والتنظيمية لصالح برنامج انتخابي مشترك، يستند إلى قضايا الحقوق والمساواة والعدالة الاجتماعية ومواجهة التمييز القومي. كما تطرح التجربة مجدداً أهمية العمل الجبهوي والتحالفات الانتخابية، خصوصاً عندما تكون قدرة الأحزاب منفردة محدودة في المنافسة وتحقيق نتائج مؤثرة. فالعمل المشترك لا يقتصر على جمع أصوات القوى المنظمة، بل يمكن أن يفتح المجال لاستقطاب شخصيات مستقلة وفعاليات اجتماعية وثقافية وشرائح من الناخبين غير المنتمين حزبياً، فضلاً عن المترددين الذين قد لا يجدون في الأحزاب منفردة ما يدفعهم إلى المشاركة.
ومن هنا، فإن فهم دلالات هذه النتيجة يتطلب التعرف إلى طبيعة المكونات السياسية والفكرية للقائمة المشتركة، والتمييز بين أطرها التنظيمية، ومواقفها وبرامجها، وكذلك فهم الفوارق بينها وبين القائمة العربية الموحدة، وما يمكن استخلاصه من هذه التجربة على مستوى العمل السياسي والانتخابي.
أولاً: طبيعة القائمة المشتركة وتكوينها السياسي
القائمة المشتركة ليست حزباً سياسياً موحداً، ولا تنظيماً قائماً على مرجعية فكرية واحدة، بل هي إطار انتخابي وسياسي يجمع ثلاثة مكونات رئيسية، لكل منها خلفيته الفكرية والتنظيمية وبرنامجه الخاص، وهي: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)، والحركة العربية للتغيير (تعال)، والتجمع الوطني الديمقراطي (بلد).
وقد جاء تشكيل هذا الإطار استجابة لحاجة سياسية وانتخابية، تتمثل في توحيد الجهود وتجاوز حالة التشتت بين القوى السياسية العربية، بما يعزز فرصها في التمثيل البرلماني والتأثير في المشهد السياسي الإسرائيلي. وتقوم فكرة القائمة على التوافق بشأن عدد من القضايا المشتركة، مع احتفاظ كل مكون باستقلاليته التنظيمية وخصوصيته الفكرية والسياسية.
وتكمن أهمية هذا التكوين في أنه يجمع بين تيارات يسارية وديمقراطية وقومية ومدنية، من دون أن يعني ذلك ذوبان هذه التيارات في إطار تنظيمي واحد أو تخليها عن مرجعياتها الخاصة. فالقائمة المشتركة تمثل صيغة من صيغ التحالف السياسي والانتخابي، تستند إلى المصالح والقضايا المشتركة، وتتيح لكل مكون الاحتفاظ بهويته واستقلالية قراره ضمن إطار العمل المشترك.
ثانياً: المكونات السياسية والفكرية للقائمة المشتركة
1. الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة (حداش)
تُعد حداش المكون الأقدم والأكثر ارتباطاً باليسار الإسرائيلي، وقد تأسست عام 1977 بمبادرة من الحزب الشيوعي الإسرائيلي، بوصفها إطاراً جبهويّاً يضم قوى وشخصيات عربية ويهودية ذات توجهات يسارية وديمقراطية.
وتستند الجبهة إلى مرجعية تقدمية تركز على العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين، ومناهضة التمييز القومي، والدفاع عن حقوق العمال والفئات الشعبية، إلى جانب مواقفها الداعية إلى السلام العادل وحل القضية الفلسطينية على أساس إنهاء الاحتلال وضمان الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
ومن الضروري التمييز بين حداش والحزب الشيوعي الإسرائيلي؛ فالحزب يشكل القوة السياسية الأساسية والمبادرة في تأسيس الجبهة، لكنه ليس الجبهة بكاملها. إذ تضم حداش شخصيات وفعاليات وقوى ديمقراطية ويسارية لا تنتمي بالضرورة إلى الحزب الشيوعي، ولا يصح اعتبار جميع مرشحيها أو ممثليها أعضاء فيه. وهذا التمييز أساسي لفهم طبيعة التمثيل داخل القائمة المشتركة، وعدم اختزال أحد مكوناتها في حزب واحد.
2. الحركة العربية للتغيير (تعال)
تأسست الحركة العربية للتغيير عام 1996 بقيادة أحمد الطيبي، وتتبنى توجهاً مدنياً وعلمانياً، وتركز في نشاطها السياسي والبرلماني على قضايا المواطنين العرب داخل إسرائيل، وفي مقدمتها المساواة في الحقوق، ومواجهة التمييز، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير قطاعات التعليم والصحة والإسكان، والدفاع عن الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية.
وتتميز الحركة بطابعها السياسي والبرلماني العملي، واهتمامها المباشر بالقضايا اليومية للمواطنين العرب، مع احتفاظها باستقلاليتها التنظيمية والسياسية عن الحزب الشيوعي الإسرائيلي وعن بقية مكونات القائمة المشتركة.
ويمثل وجودها داخل القائمة بعداً مدنياً وحقوقياً، ويسهم في توسيع نطاق الخطاب السياسي للقائمة باتجاه شرائح اجتماعية قد لا ترتبط بالضرورة بالتيارات اليسارية أو القومية التقليدية.
3. التجمع الوطني الديمقراطي (بلد)
تأسس التجمع الوطني الديمقراطي عام 1995، ويستند إلى توجه قومي ديمقراطي وعلماني، ويولي أهمية مركزية للهوية الوطنية الفلسطينية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، ولحقوقهم القومية الجماعية، إلى جانب الدفاع عن المساواة والحقوق الديمقراطية والمدنية.
ويطرح التجمع تصوراً يقوم على الاعتراف بالمواطنين العرب باعتبارهم جماعة قومية لها هويتها وحقوقها الجماعية، وليس مجرد أقلية تطالب بالمساواة الفردية في إطار الدولة. ومن هنا تبرز خصوصية خطابه السياسي، الذي يجمع بين البعد القومي الفلسطيني والبعد الديمقراطي والمدني.
ويمثل التجمع داخل القائمة المشتركة تياراً سياسياً له مرجعيته القومية والديمقراطية المستقلة، ويضيف إلى التحالف بعداً فكرياً وسياسياً يختلف عن مرجعية حداش اليسارية وعن الطابع المدني والحقوقي الذي يميز تعال.
ثالثاً: الفروقات والمشتركات بين المكونات الثلاثة
على الرغم من اشتراك المكونات الثلاثة في إطار انتخابي واحد، فإن بينها اختلافات واضحة في المرجعيات الفكرية والسياسية، وفي طبيعة الأولويات والخطاب السياسي. ويمكن توضيح أبرز هذه الفروقات على النحو الآتي:
مجال المقارنة

حداش

تعال

بلد

المرجعية الفكرية

يسارية اشتراكية وشيوعية

مدنية وعلمانية

قومية ديمقراطية

العلاقة بالحزب الشيوعي

يقودها الحزب ويشكل القوة الأساسية فيها

مستقلة

مستقلة

الأولوية السياسية

العدالة الاجتماعية والمساواة والسلام

الحقوق المدنية والخدمية والاجتماعية

الحقوق القومية والهوية الفلسطينية

طبيعة الإطار

جبهة ديمقراطية واسعة

حركة سياسية مدنية

حزب قومي ديمقراطي

ولا تعني هذه الاختلافات وجود تناقض حتمي بين المكونات، بل تعكس تعددية سياسية وفكرية يمكن أن تتحول إلى عنصر قوة إذا جرى تنظيمها ضمن برنامج مشترك واضح، يقوم على تحديد الأولويات والاتفاق على القضايا الأساسية، مع احترام خصوصية كل طرف واستقلاليته.
وتتمثل المساحة المشتركة بينها في الدفاع عن حقوق المواطنين العرب، ومناهضة التمييز القومي، والمطالبة بالمساواة المدنية والاجتماعية، ومواجهة السياسات التي تستهدف حقوقهم ومكانتهم، فضلاً عن الموقف من القضية الفلسطينية وضرورة تحقيق السلام العادل.
وبذلك، فإن القائمة المشتركة لا تستند إلى تطابق فكري بين مكوناتها، بل إلى تقاطع سياسي وبرنامجي يسمح لها بالعمل ضمن إطار انتخابي وبرلماني واحد.
رابعاً: توزيع المقاعد والتمثيل البرلماني
حصلت القائمة المشتركة على 11 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، وهو ما يمثل أكثر من نصف مجموع المقاعد العربية البالغ 19 مقعداً. ويمكن توزيع هذه المقاعد، بحسب الانتماء السياسي للممثلين الفائزين، على النحو الآتي:
المكون السياسي

عدد المقاعد

حداش

5

تعال

3

بلد

3

المجموع

11

ويعكس هذا التوزيع تعددية التمثيل داخل القائمة، ويؤكد أن المقاعد الأحد عشر لا تعود إلى قوة سياسية واحدة، بل تتوزع بين ثلاثة مكونات مستقلة، لكل منها توجهه ومرجعيته.
ومن المهم هنا التأكيد مجدداً أن المقاعد المرتبطة بحداش لا تعني أن جميع ممثليها أعضاء في الحزب الشيوعي الإسرائيلي؛ فالجبهة إطار أوسع من الحزب، وتضم شخصيات وفعاليات ديمقراطية ويسارية من خلفيات مختلفة. ولذلك، فإن التعامل مع حداش باعتبارها مجرد امتداد تنظيمي للحزب الشيوعي لا يعكس طبيعة تكوينها الفعلي ولا يفسر تنوع تمثيلها السياسي.
كما أن حصول تعال وبلد على ثلاثة مقاعد لكل منهما يؤكد أن القائمة المشتركة لم تكن مجرد واجهة انتخابية لمكون واحد، بل إطاراً أتاح للقوى الثلاث المشاركة والتمثيل وفق حجم حضورها السياسي والانتخابي.
خامساً: القائمة العربية الموحدة (رعام) وخصوصية توجهها
حصلت القائمة العربية الموحدة (رعام) على 8 مقاعد، لتكون القوة البرلمانية العربية الثانية بعد القائمة المشتركة. وتعود جذورها السياسية إلى الحركة الإسلامية الجنوبية، وتتبنى توجهاً محافظاً اجتماعياً، مع تركيز واضح على المطالب الخدمية والاقتصادية والاجتماعية للمواطنين العرب.
وتتميز رعام بنهج سياسي عملي في التعامل مع المؤسسات الإسرائيلية، وباستعدادها للتفاوض والمشاركة في الائتلافات الحكومية عندما ترى في ذلك فرصة لتحقيق مكاسب أو انتزاع استحقاقات للمجتمع العربي. وقد تجسد هذا التوجه في مشاركتها في الائتلاف الحكومي الإسرائيلي عام 2021، وهي تجربة عكست اختلافاً في منهج التعامل مع النظام السياسي الإسرائيلي عن النهج الذي تتبناه غالبية مكونات القائمة المشتركة.
ويبرز الاختلاف بين القائمتين في المرجعيات الفكرية والسياسية، وفي طبيعة الخطاب والأولويات وأسلوب العمل البرلماني. فالقائمة المشتركة تجمع تيارات يسارية ومدنية وقومية ديمقراطية، بينما تنطلق رعام من مرجعية الحركة الإسلامية الجنوبية، مع اعتمادها نهجاً براغماتياً في التفاوض والمشاركة السياسية.
ومع اختلافها عن مكونات القائمة المشتركة في المرجعية الفكرية والسياسية، فإنها تلتقي معها في عدد من المطالب المتعلقة بحقوق المواطنين العرب والقضايا الاجتماعية والوطنية الفلسطينية.
ومن ثم، فإن وجود القائمتين معاً يعكس تعددية الاتجاهات السياسية داخل المجتمع العربي في إسرائيل، ولا ينبغي النظر إلى هذه التعددية باعتبارها مجرد تنافس انتخابي، بل بوصفها تعبيراً عن اختلاف في الرؤى والبرامج وأساليب العمل السياسي.
سادساً: الدلالات السياسية والبرلمانية للنتائج
إن حصول القائمة المشتركة على 11 مقعداً، مقابل 8 مقاعد لرعام، يمنحها موقعاً متقدماً في التمثيل البرلماني العربي، ويعزز قدرتها على التأثير في النقاشات السياسية والبرلمانية المتعلقة بالقضايا الداخلية الإسرائيلية، وبحقوق المواطنين العرب، وبالقضية الفلسطينية.
ولا تتحدد أهمية هذه المقاعد بعددها فقط، بل بموقعها في معادلة التوازنات البرلمانية، وبمدى قدرة القوى السياسية على توظيفها في التأثير على تشكيل الحكومات والائتلافات المقبلة. ففي نظام سياسي تتسم فيه المنافسة الحزبية بالتعددية، وتحتاج فيه الحكومات إلى بناء تحالفات برلمانية، يمكن للكتل التي تمتلك وزناً مؤثراً أن تتحول إلى عنصر مهم في حسابات تشكيل الحكومات، حتى إن لم تكن جزءاً مباشراً من الائتلاف الحاكم.
لكن هذا التأثير لا يتحقق تلقائياً بمجرد الحصول على المقاعد، وإنما يرتبط بمدى قدرة القائمة على بلورة موقف سياسي موحد، وإدارة الاختلافات بين مكوناتها، وتحديد القضايا التي يمكن أن تشكل أساساً للتأثير البرلماني والسياسي.
كما أن النتائج تبرز أن التمثيل العربي في الكنيست ليس كتلة متجانسة، بل يتوزع بين اتجاهات سياسية وفكرية مختلفة، وهو ما يفرض على هذه القوى مسؤولية البحث عن مساحات مشتركة للدفاع عن الحقوق والمصالح العامة للمواطنين العرب، من دون إلغاء الاختلافات بينها.
ومن جهة أخرى، فإن تقدم القائمة المشتركة يشير إلى أن صيغة التحالف بين قوى مختلفة يمكن أن تحقق نتائج انتخابية تتجاوز ما قد تحققه هذه القوى منفردة، وأن توسيع قاعدة المشاركة لا يتحقق بالاعتماد على الجمهور الحزبي وحده، بل من خلال تقديم خطاب وبرنامج قادرين على مخاطبة قطاعات أوسع من المجتمع.
سابعاً: دلالات تجربة العمل الجبهوي والتحالف الانتخابي
تقدم تجربة القائمة المشتركة دلالة مهمة تتعلق بجدوى العمل الجبهوي والتحالفات الانتخابية في البيئات السياسية التي تتسم بتعدد القوى وتفاوت إمكاناتها التنظيمية والانتخابية. فنجاح التحالف لا يتطلب بالضرورة اتفاق أطرافه على جميع القضايا الفكرية والسياسية، وإنما يتطلب تحديد مساحة مشتركة للعمل، والاتفاق على برنامج وأولويات واضحة، واحترام استقلالية الأطراف المشاركة.
وتكشف هذه التجربة أن الإطار الانتخابي الجامع يمكن أن يؤدي وظائف تتجاوز جمع الأصوات؛ فهو يتيح توحيد الجهود، وتقليل تشتت الناخبين، وتقديم بديل سياسي أوسع، واستقطاب شرائح اجتماعية لا تجد نفسها بالضرورة داخل الأحزاب القائمة، لكنها تتفاعل مع برنامج مشترك يعبر عن تطلعاتها ومصالحها.
كما أن وجود شخصيات مستقلة وفعاليات اجتماعية وثقافية وشخصيات ذات حضور جماهيري ضمن إطار التحالف يمكن أن يعزز قدرته على الوصول إلى قطاعات جديدة من الناخبين، ويمنحه طابعاً مجتمعياً أوسع من حدود العضوية الحزبية والتنظيمية.
غير أن العمل الجبهوي لا ينجح بمجرد الإعلان عن التحالف أو تشكيل قائمة انتخابية، بل يحتاج إلى ثقة متبادلة بين أطرافه، وإلى وضوح في توزيع المسؤوليات والتمثيل، وآليات ديمقراطية لاتخاذ القرار وحل الخلافات، فضلاً عن برنامج مشترك قابل للتنفيذ والمتابعة.
ومن المهم أيضاً ألا يتحول التحالف إلى إطار تهيمن عليه قوة واحدة أو إلى واجهة شكلية للأحزاب المشاركة؛ إذ إن قوته الحقيقية تنبع من الاعتراف بتعدد مكوناته، ومنح كل طرف مساحة حقيقية للمشاركة والتأثير، بما يحفظ استقلاليته ويعزز في الوقت نفسه وحدة العمل.
ولا يمكن نقل تجربة القائمة المشتركة بصورة آلية إلى بيئات سياسية أخرى، لاختلاف الظروف القانونية والاجتماعية والسياسية، لكن يمكن الاستفادة من مبدئها الأساسي: عندما تكون القوى منفردة محدودة القدرة على المنافسة والتأثير، يصبح بناء إطار مشترك، على أساس برنامج متفق عليه واحترام التعددية، خياراً سياسياً يستحق الدراسة والعمل.
ثامناً: الخلاصة
تقدم تجربة القائمة المشتركة نموذجاً للعمل السياسي والانتخابي القائم على التعددية والتوافق، إذ استطاعت مكوناتها، رغم اختلاف مرجعياتها الفكرية والتنظيمية، أن تتفق على إطار مشترك يعزز حضورها وتأثيرها. وتكمن أهمية هذه التجربة في أنها تؤكد أن الاختلاف بين القوى السياسية لا يحول بالضرورة دون تعاونها، متى توافرت إرادة سياسية وبرنامج مشترك وآليات تحترم استقلالية الأطراف المشاركة.
ولا تتمثل قيمة العمل الجبهوي في تحقيق مكاسب انتخابية آنية فحسب، بل في قدرته على توسيع قاعدة المشاركة، واستقطاب قوى وشخصيات وشرائح اجتماعية تتجاوز الأطر الحزبية التقليدية، وتحويل التعدد السياسي إلى قوة قادرة على التأثير.
ومن هنا، فإن الدرس الأبرز الذي تقدمه هذه التجربة هو أن بناء التحالفات الناجحة لا يبدأ بالتخلي عن الخصوصيات، بل بالاتفاق على ما يجمع، وإدارة ما يختلف عليه الشركاء بروح ديمقراطية، بما يجعل العمل المشترك خياراً سياسياً فاعلاً، لا مجرد ترتيب انتخابي مؤقت.

قد يعجبك ايضا
∧