موازنة العراق 2027.. كوردستان بين عدالة التوزيع واختلال السياسة المالية

مهند محمود شوقي

لا تُقاس عدالة الموازنات العامة بحجم الأموال المرصودة، بل بقدرتها على توزيع الموارد وفق معايير تضمن تكافؤ الفرص بين المواطنين. وفي الدول الاتحادية تصبح الموازنة اختباراً للعلاقة بين المركز والأقاليم، وهو ما يعيد الخلاف بين بغداد وأربيل بشأن موازنة 2027 إلى جذوره الاقتصادية والدستورية، بعيداً عن الحسابات السياسية التي رافقت هذا الملف طوال السنوات الماضية.
تعود جذور الأزمة إلى عام 2014، عندما قررت حكومة نوري المالكي وقف التحويلات المالية إلى إقليم كوردستان، على خلفية الخلاف بشأن إدارة الصادرات النفطية وتسويقها عبر تركيا. كانت بغداد تتمسك بحصرية التسويق الاتحادي عبر شركة سومو، وتطالب الإقليم بتصدير 400 ألف برميل يومياً، فيما اعتبرت أربيل أن الكمية المطلوبة تتجاوز قدرتها التصديرية المتاحة آنذاك، وأن ربط التمويل العام بهذا الشرط يمثل تجاوزاً على استحقاقاتها المالية. وقد تحولت الأزمة من خلاف حول تفسير الصلاحيات النفطية إلى انقطاع فعلي في التمويل، انعكس على الرواتب والإنفاق الحكومي والاستقرار الاقتصادي.
ولفهم خطورة تلك السابقة، ينبغي التمييز بين الخلاف على ملكية الموارد وإدارتها وبين تمويل الالتزامات العامة. فالموازنة ليست مكافأة تمنحها الحكومة الاتحادية لإقليم يلتزم بموقفها السياسي، وإنما أداة قانونية لتمويل مسؤوليات الدولة تجاه المواطنين. وكان ممكناً معالجة النزاع النفطي من خلال التسويات المالية والتدقيق المشترك والآليات القضائية، دون تحويل رواتب الموظفين والخدمات الأساسية إلى متغير تابع للخلاف بين الحكومتين.
انتقلت المشكلة لاحقاً من توقف التحويلات إلى الخلاف على النسب المعتمدة في توزيع الموارد. فبعد سنوات من اعتماد نسبة 17% للإقليم، مع خضوع المبالغ الفعلية للاستقطاعات والالتزامات القانونية، استقر الإطار المالي اللاحق على نسبة تقارب 12.67%. ولم يكن هذا التحول مجرد تعديل حسابي، بل عكس خلافاً حول التقديرات السكانية، والنفقات السيادية، والقاعدة التي ينبغي احتساب حصة الإقليم منها. وكانت بغداد تستند إلى تقديرات سكانية ومعايير الإنفاق بعد الاستقطاعات، بينما ظل الإقليم يطالب باحتساب حقوقه على أساس تعداد سكاني دقيق وحاجاته الفعلية.
وجاء التعداد العام للسكان لعام 2024 ليعيد فتح هذا الملف بصورة أكثر وضوحاً. فقد أشار تقرير رسمي أصدرته حكومة إقليم كوردستان في أيلول 2026 إلى أن البيانات الأولية أظهرت نسبة سكانية للإقليم تبلغ 14.14%، قبل اعتماد نسبة 12.68% بعد تعديلات تتعلق بتصنيف النازحين واللاجئين وبعض المناطق الخاضعة لإدارة الإقليم. وتدافع أربيل عن اعتماد النسبة الأولى، بينما يستلزم حسم الخلاف نشر الأسس الإحصائية التفصيلية التي استندت إليها وزارة التخطيط الاتحادية.
ومن الناحية الاقتصادية، لا تتعلق المشكلة بفارق مقداره 1.46 نقطة مئوية فقط، بل بالأساس الذي تُبنى عليه الاستحقاقات لسنوات مقبلة. فكل نقطة مئوية من وعاء إنفاق قابل للتوزيع يبلغ مئة تريليون دينار تعادل تريليون دينار. وعليه، فإن الفرق بين النسبتين في هذا المثال يصل إلى 1.46 تريليون دينار سنوياً، وهي موارد يمكن أن تؤثر في بناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والطرق، فضلاً عن قدرة المؤسسات العامة على الوفاء بالتزاماتها.
غير أن اعتماد السكان وحدهم لا يكفي لبناء نظام مالي عادل. فالمادة 121، ثالثاً، من الدستور العراقي تنص على تخصيص حصة عادلة للأقاليم والمحافظات من الإيرادات الاتحادية، تكفي للقيام بأعبائها ومسؤولياتها، مع مراعاة مواردها وحاجاتها ونسب سكانها. وهذا يعني أن العدالة الدستورية لا تختزل في قسمة حسابية، بل تتطلب موازنة بين السكان والكلفة الفعلية للخدمات والمسؤوليات الإدارية والاحتياجات التنموية.
وتكشف الأرقام المتداولة عن مسودة موازنة 2027 جانباً آخر من الاختلال. فوفق مذكرة مقارنة تناولتها تقارير صحفية في تشرين الأول 2026، تبلغ التخصيصات المقترحة للإقليم نحو 13.308 تريليون دينار، مقابل 16.498 تريليون دينار في موازنة 2023، بانخفاض يقارب 19.3%. أما التخصيصات الاستثمارية فتهبط من نحو 2.784 تريليون دينار إلى 499 مليار دينار، أي بانخفاض يتجاوز 82%. وهذه الأرقام، رغم أنها لا تمثل قانوناً نافذاً بعد، تستدعي مراجعة اقتصادية دقيقة قبل إقرار الموازنة.
والأكثر أهمية أن الإنفاق الاستثماري لا يمكن التعامل معه بوصفه بنداً ثانوياً يمكن تقليصه دون نتائج بعيدة المدى. فالإنفاق التشغيلي يحافظ على استمرارية المؤسسات، بينما يسهم الاستثمار العام في توسيع القدرة الإنتاجية، وتخفيض تكاليف الخدمات، وتحفيز القطاع الخاص. وعندما تنخفض الاستثمارات في إقليم يواجه احتياجات متزايدة للبنية التحتية، فإن الخسارة لا تقتصر على المشاريع المؤجلة، بل تمتد إلى فرص العمل والنشاط الاقتصادي والإيرادات الضريبية المستقبلية.
وتزداد أهمية هذا الاختلال مع التوجه نحو موازنة البرامج والأداء، التي يفترض أن تربط التمويل بنتائج قابلة للقياس، بدلاً من الاكتفاء بتوزيع الاعتمادات وفق البنود التقليدية. فإذا كانت الاعتمادات المخصصة لهذا المسار تبلغ نحو 42 تريليون دينار، كما تشير المعلومات المتداولة بشأن المسودة، فإن غياب تخصيص واضح للإقليم يثير تساؤلاً حول شمول النظام الجديد لجميع الوحدات الاتحادية. ومن غير المنطقي اقتصادياً اعتماد منهج لتطوير كفاءة الإنفاق، ثم استبعاد جزء من البلاد من فرص الاستفادة منه دون تفسير مؤسسي معلن.
وتبرز قضية القروض بوصفها اختباراً إضافياً لعدالة توزيع الموارد والأعباء. فالقروض السيادية لا تُقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة أو قيمتها الإجمالية، وإنما بمكان تنفيذ المشاريع، وحجم المنافع المتحققة، والجهة التي تتحمل خدمة الدين. وإذا كانت الحكومة الاتحادية تقترض لتمويل مشاريع في محافظات معينة، فإن العدالة تقتضي وجود سجل شفاف يوضح توزيع التمويل وأعباء السداد، مع ضمان عدم تحميل مواطني الإقليم كلفة التزامات لا يحصلون على منفعة متناسبة منها. ولا يعفي ذلك حكومة إقليم كوردستان من مسؤولية تعزيز الإفصاح المالي عن المشاريع والديون والالتزامات تجاه الشركات. فالدفاع عن الاستحقاقات الاتحادية يكتسب قوة أكبر عندما يستند إلى حسابات منشورة ومدققة، تميز بين المشاريع المعلنة والممولة والمنفذة، وبين الالتزامات المستحقة والمدفوعات الفعلية. فالشفافية داخل الإقليم ليست تنازلاً لبغداد، بل ضمانة اقتصادية لحماية حقوق كوردستان وإدارة مواردها بكفاءة.
وتشير بيانات نشرتها حكومة الإقليم عن الفترة 2019–2025 إلى أن المبالغ المحولة من بغداد بلغت 33.4 تريليون دينار، مقابل استحقاقات محسوبة بعد الاستقطاعات بنحو 79.5 تريليون دينار، مع عرض فروقات تراكمية وفق منهجية التقرير. وهذه الأرقام تعبر عن حسابات حكومة الإقليم، وتحتاج إلى مطابقة مشتركة مع سجلات وزارة المالية الاتحادية وديوان الرقابة المالية لتحديد المستحقات النهائية، لكنها تكشف حجم الفجوة التي ينبغي معالجتها مؤسسياً. لذلك فإن إصلاح العلاقة المالية بين بغداد وأربيل يبدأ بالانتقال من التفاوض السنوي على الأرقام إلى بناء قواعد مستقرة لتوزيع الإيرادات، وتفعيل هيئة مراقبة تخصيص الواردات الاتحادية المنصوص عليها في المادة 106 من الدستور، واعتماد بيانات سكانية قابلة للتحقق، وفصل تمويل الرواتب والخدمات الأساسية عن النزاعات النفطية، وإخضاع القروض والاستثمارات لمعايير موحدة في جميع المحافظات والأقاليم.

قد يعجبك ايضا
∧