قابيل وهابيل في مجلس كركوك.. صراع المحافظ يتكرر

ياسين الحديدي – كركوك

المحور الأول: الاستخلاف والكرسي.. من خليفة في الأرض إلى أسير للمنصب: ماذا فعلتم بالأمانة؟

قال الله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾، لكنكم جعلتم الأرض مزرعةً لمصالحكم الخاصة.

علّم الله آدم الأسماء كلها، أما بعض حكام اليوم، فلا يعرفون سوى أسماء الصفقات والمنافع.

وسجدت الملائكة لآدم تكريماً بأمر الله، بينما تسجد حاشية اليوم للمناصب تملقاً وطمعاً في المكاسب.

المحور الثاني: إبليس والحاشية الفاسدة

رفض إبليس السجود تكبّراً واستعلاءً، فيما يريد بعض الحكام من شعوبهم أن ينحنوا أمامهم، وكأن السلطة حقٌّ مطلق لا أمانة ومسؤولية.

كان إبليس رمزاً للعصيان بعد الاستكبار، أما بعض حرّاس المال العام اليوم، فيمدّون أيديهم إلى الخزينة، ثم يظهرون بمظهر الصالحين.

من إبليس الأول إلى شياطين المولات والمقاولات، تتعدد الوجوه، ويبقى جوهر الفساد واحداً: استغلال النفوذ لتحقيق المصالح الشخصية.

كانت مهمة الشيطان إغواء ابن آدم، فيما تتمثل مأساة الفساد المعاصر في تجويع الإنسان، وسلب حقوقه، وحرمانه من حياة كريمة.

المحور الثالث: قابيل وهابيل.. القتل والصراع على السلطة

قتل قابيل أخاه هابيل بدافع الحسد، بعدما تقبّل الله قربان أحدهما ولم يتقبّل من الآخر. واليوم، تتكرر صور الصراع، وإن اختلفت الوسائل والأهداف، حتى بات المواطن يدفع ثمن النزاع على السلطة ومكاسبها.

كانت أول جريمة قتل في تاريخ البشرية مرتبطة بالحسد، أما مآسينا المعاصرة، فكثيراً ما تغذيها صراعات النفوذ والتشبث بالكرسي.

قابيل وهابيل في مجلس كركوك.. صراع المحافظ يتكرر منذ بدء الخليقة.

ومن قتل هابيل إلى اغتيال أحلام سحر، تتشابه المآسي في وجعها، وإن اختلفت تفاصيلها وأزمنتها. فالتاريخ لا يعيد نفسه حرفياً، لكنه يكشف، مرة بعد أخرى، كيف يقود الحسد والطمع والصراع على المصالح إلى سفك الدماء وتحطيم الأحلام.

المحور الرابع: الشجرة المحرّمة والمال الحرام

نهى الله آدم عن شجرة واحدة، لكن بعض أصحاب النفوذ اليوم لا تكاد تشبع أطماعهم حدود، ولا تردعهم محظورات.

أكل آدم من الشجرة، ثم تاب إلى الله، أما بعض الفاسدين، فيأكلون الأخضر واليابس، ويتمادون في الاستحواذ على المال العام، من دون أن تظهر عليهم علامات الندم أو مراجعة الضمير.

الممنوع مرغوب لدى النفوس الطامعة؛ وهكذا يصبح المال الحرام غايةً يسعى إليها من جعل المنصب وسيلةً للثراء، لا أمانةً لخدمة الناس.

المحور الخامس: رسالة مباشرة إلى الواقع

لو كان آدم بيننا اليوم، فهل كان سيرضى أن تصل الحال بالإنسان إلى أن تجمع سحر الجداحات والعلب الفارغة، بحثاً عن لقمة العيش، في الوقت الذي يتصارع فيه أصحاب المناصب على السلطة والنفوذ؟

نحن أبناء آدم الذي علّمه الله الأسماء، فلماذا يجهل بعض المسؤولين حاجات شعبهم، ويتجاهلون معاناته، وكأنهم يعيشون في عالم منفصل عن واقعه؟

من غار أبي قبيس إلى مكبّات النفايات في كركوك، كيف وصلنا إلى هذا الدرك من المعاناة؟

هبط آدم من الجنة إلى الأرض، أما نحن، فقد دفع بنا الإهمال والفساد إلى واقعٍ لا يليق بكرامة الإنسان، حتى أصبح مكبّ النفايات، بالنسبة إلى بعض المحتاجين، مصدراً للرزق ووسيلةً للبقاء.

الخاتمة: قصة الخليفة الذي نسي الأمانة

ليست حكاية قابيل وهابيل مجرد قصة من الماضي، بل مرآةٌ يمكن أن نرى فيها وجوه الحسد والطمع والصراع حين تتحول السلطة من مسؤولية إلى غاية، ومن أمانة إلى وسيلة للاستئثار بالمنافع.

وفي كركوك، كما في غيرها من المدن، يبقى السؤال الأهم: هل وُجد المسؤول لخدمة المواطن، أم وُجد المواطن ليكون ضحيةً لصراعات المسؤولين؟

إن الكرسي زائل، والمناصب عابرة، أما معاناة الناس فتبقى شاهدةً على كل من تنكّر للأمانة، وقدّم مصالحه على حقوقهم.

فيا من تتصارعون على الكرسي، تذكّروا أن الاستخلاف مسؤولية، وأن الحكم أمانة، وأن التاريخ لا يرحم من ينسى الإنسان في غمرة الصراع على السلطة.

قد يعجبك ايضا
∧