محمد علي الحيدري
تضع التحركات الرامية إلى بناء ترتيبات أمنية إقليمية العراق أمام سؤال يتجاوز المشاركة في الاجتماعات: بأي قرار يدخل هذه الترتيبات، وما المصالح التي يريد حمايتها؟ فالموقع الجغرافي يمنحه أهمية يصعب تجاوزها، لكنه لا يضمن له تأثيرًا يوازيها. وبين أهمية العراق وقدرته على توظيفها، تكمن مشكلة الدولة وحدود سلطتها.
وقد أظهر الحوار بين دول «حلف مكة» وإيران اتجاهًا نحو البحث عن تفاهمات تتناول الأمن الإقليمي وخفض التصعيد. ولا يكفي غياب بغداد عن اجتماع بعينه للحكم بإقصائها، لكن السؤال الأجدى يتعلق بما تستطيع تقديمه في أي مسار مقبل، وبقدرتها على تنفيذ ما تلتزم به.
يمتلك العراق صلات تتيح له التواصل مع أطراف متخاصمة، وهذه ميزة دبلوماسية معتبرة. غير أن الوساطة تحتاج إلى استقلال في تقدير المصلحة، وإلى ثقة بأن الدولة التي تنقل الرسائل تملك قرارها. وحين تتعدد الجهات القادرة على استخدام القوة أو تعطيل التعهدات، تتراجع قيمة الضمانات الرسمية، مهما بلغت مهارة المفاوضين.
تكمن المصلحة العراقية في منع انتقال الصراع إلى أراضيه، وحماية اقتصاده ومنافذه ومشاريعه، وبناء علاقات متوازنة مع إيران ومحيطه العربي وتركيا والولايات المتحدة. والتوازن هنا سياسة تتحدد مواقفها بحسب المصلحة الوطنية، وتُترجم إلى قواعد واضحة تحكم استخدام الأراضي والأجواء والسلاح.
وتبرز صعوبة هذا الخيار حين تُربط سلامة العراق بحسابات قوى خارجية أو جماعات تتجاوز التزاماتها حدود الدولة. لذلك، فإن توحيد القرار الأمني شرط لفاعلية السياسة الخارجية، كما أنه ضرورة لحماية المواطنين. فلا تستطيع بغداد المطالبة باحترام سيادتها وتقديم تعهدات موثوقة ما لم تمتلك القدرة على منع الاعتداء انطلاقًا من أراضيها، وحماية أراضيها من الاعتداءات الخارجية.
وتحتاج أي ترتيبات إقليمية إلى ضمانات متبادلة تشمل احترام الحدود، ورفض التدخل، وحماية التجارة والطاقة، وإنشاء قنوات لمعالجة الأزمات. ومن مصلحة العراق أن يدفع نحو إرساء هذه القواعد، وأن يربط مشاركته بما تحققه من أمن ملموس، بعيدًا عن الاصطفافات التي تزيد من تعرضه للمواجهة.
لن يتحدد موقع العراق بعدد الدعوات التي يتلقاها، بل بوضوح مشروعه ومصداقية مؤسساته. فالبلد الذي يوحّد قراره يستطيع تحويل حاجة الآخرين إليه إلى نفوذ سياسي. أما استمرار التنازع على سلطة الدولة، فيجعل أهميته الجغرافية سببًا لتكاثر الضغوط عليه.
السؤال العراقي، إذن، هو: كيف يدخل ترتيبات المنطقة بوصفه دولةً قادرة على صياغة التزاماتها وحمايتها؟ ومن هنا يبدأ الانتقال من ساحة تتلقى آثار الصراع إلى شريك يسهم في بناء شروط الاستقرار.