باكستان وأفغانستان نموذج حي عندما تتحول أدوات النفوذ إلى تهديد للأمن القومي

باكستان من دعم طالبان إلى المواجهة العسكرية: هل اليوم تدفع إسلام آباد ثمن سياسات الأمس؟

لم يكن الصراع العسكري المتصاعد بين باكستان وأفغانستان مجرد خلاف حدودي أو مواجهة عابرة مع جماعات مسلحة، بل يكشف عن أزمة أعمق في التفكير الاستراتيجي للدول، وعن النتائج بعيدة المدى للسياسات التي تقوم على توظيف الحركات المسلحة لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.

فباكستان، التي ارتبط اسمها لعقود بدعم حركة طالبان الأفغانية، تجد نفسها اليوم في مواجهة السلطة التي عادت إلى الحكم في كابول عام 2021. وهي مفارقة تستحق التوقف عندها، ليس بهدف تحميل طرف واحد المسؤولية عن الصراع، بل لفهم كيف يمكن أن تتحول التحالفات غير التقليدية إلى مصادر تهديد للدول التي ساهمت في بنائها وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تستطيع دولة أن تبني أمنها القومي على إضعاف مؤسسات دولة مجاورة، ثم تتوقع أن تظل تداعيات تلك السياسة خارج حدودها ؟.

من صناعة النفوذ إلى فقدان السيطرة

لفهم الأزمة الراهنة، لا بد من العودة إلى الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفيتي عام 1979، وما تلاها من صراعات داخلية وصعود حركة طالبان في التسعينيات فقد نظرت المؤسسة الأمنية الباكستانية إلى أفغانستان باعتبارها ساحة ذات أهمية استراتيجية، ترتبط بأمن حدودها الغربية وبالتوازن الإقليمي مع الهند. وفي هذا السياق، شكلت العلاقات مع الحركات الإسلامية المسلحة إحدى أدوات النفوذ الباكستاني في أفغانستان.

وبعد التدخل الأمريكي عام 2001 وسقوط حكم طالبان، استمرت الحركة في نشاطها المسلح، فيما وثقت تحليلات وتقارير دولية استمرار علاقاتها بعناصر داخل المؤسسة الأمنية الباكستانية غير أن عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 لم تحقق الاستقرار الذي كانت تأمله إسلام آباد بل تصاعد نشاط حركة طالبان باكستان، المعروفة باسم (تحريك طالبان باكستان)، التي تتبنى مشروعاً سياسياً مسلحاً يستهدف الدولة الباكستانية نفسها.

وتتهم إسلام آباد السلطات الأفغانية بالسماح لمقاتلي الحركة باستخدام الأراضي الأفغانية لتنظيم هجمات داخل باكستان، بينما تنفي كابول توفير ملاذات آمنة لهم، وتعتبر العنف داخل باكستان مسؤولية أمنية باكستانية وبين الاتهامات والنفي، انتقلت العلاقات من التوتر السياسي إلى الضربات الجوية والاشتباكات الحدودية، وصولاً إلى التصعيد العسكري الواسع خلال عام إن المفارقة هنا ليست في تغير التحالفات، فذلك أمر مألوف في العلاقات الدولية، بل في أن الجماعات المسلحة التي تُستخدم لتحقيق مصالح استراتيجية قد تطور أهدافاً مستقلة تتعارض لاحقاً مع مصالح داعميها السابقين 2026.

هل تعيد باكستان إنتاج السياسة نفسها؟

تثير الأزمة الحالية تساؤلاً بشأن الخيارات التي قد تلجأ إليها باكستان في مواجهة سلطة طالبان الأفغانية فهل تتجه إسلام آباد نحو مراجعة سياستها السابقة، أم تحاول بناء علاقات مع قوى أفغانية أخرى لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية ؟.

في هذا السياق، تداولت معلومات منسوبة إلى مصادر إقليمية مزاعم عن اجتماع غير معلن في إسلام آباد في 14 أكتوبر، ضم مسؤولين استخباراتيين باكستانيين وقادة سابقين من تشكيلات مسلحة تنتمي إلى مجتمع الهزارة الشيعية، بهدف بحث إمكانية بناء شبكات نفوذ في شمال أفغانستان ورغم ان لا تتوافر أدلة مستقلة كافية لتأكيد انعقاد هذا الاجتماع أو طبيعة المناقشات المنسوبة إليه، ولذلك لا يجوز التعامل مع هذه المعلومات بوصفها حقائق مثبتة لكنها تطرح، على المستوى التحليلي، سؤالاً مشروعاً: إذا ثبت اتجاه باكستان نحو توظيف جماعات مسلحة جديدة في أفغانستان، فهل يكون ذلك تصحيحاً لاستراتيجيتها السابقة، أم تكراراً للنهج نفسه بأدوات مختلفة ؟.

إن تغيير الحلفاء لا يعني بالضرورة تغيير السياسة فإذا كانت المشكلة الأساسية تتمثل في الاعتقاد بإمكانية إدارة أمن الدول المجاورة من خلال شبكات نفوذ مسلحة، فإن استبدال جماعة بأخرى قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.

خط دوراند كحدود تفصل دولتين ولا تنهي روابط المجتمع

لا يمكن اختزال الصراع في قضية طالبان باكستان وحدها فثمة خلاف تاريخي حول خط دوراند، الذي رسم في الحقبة الاستعمارية البريطانية، وقسّم مناطق تقطنها مجتمعات بشتونية ذات روابط قبلية واجتماعية وثقافية ممتدة عبر الحدود.

وبينما تتعامل باكستان مع الخط بوصفه حدودها الدولية، رفضت حكومات أفغانية متعاقبة الاعتراف النهائي بشرعيته، واستمر الخلاف بعد عودة طالبان إلى السلطة وهذه المسألة تكشف حدود المقاربة الأمنية البحتة فيمكن للدول تشديد الرقابة على المعابر، وإقامة الحواجز، ونشر القوات، لكنها لا تستطيع محو الروابط الاجتماعية والتاريخية بقرار عسكري.

كما أن القيود على التجارة والتنقل، وترحيل اللاجئين، والعمليات العسكرية المتكررة قد تؤدي إلى زيادة التوتر بين المجتمعات الحدودية، وتوفير بيئة تستغلها الجماعات المتطرفة للتجنيد والتوسع ولذلك فإن الأمن الحدودي لا ينبغي أن يُفصل عن التنمية الاقتصادية، وحماية المدنيين، والتعاون بين المؤسسات، ومعالجة الخلافات التاريخية بالوسائل السياسية و الدبلوماسية.

السيادة وحق الدفاع عن النفس أين تقف حدود القوة؟

تستند باكستان إلى حقها في حماية مواطنيها من الهجمات المسلحة، وهو حق مشروع من حيث المبدأ.

لكن القانون الدولي يميز بين الحق في الأمن ومشروعية الوسائل المستخدمة لتحقيقه فميثاق الأمم المتحدة يحظر، كقاعدة عامة، استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، مع الاعتراف بحق الدفاع عن النفس عند وقوع هجوم مسلح، وفقاً للمادة 51.

وتظل مشروعية استخدام القوة ضد جماعات غير حكومية داخل أراضي دولة أخرى موضع نقاش قانوني، خصوصاً بشأن شروط الضرورة والتناسب، وطبيعة التهديد، ومسؤولية الدولة التي توجد الجماعة على أراضيها وفي المقابل، لا تعني السيادة إعفاء السلطات الأفغانية من التزاماتها الدولية المتعلقة بمنع الأنشطة المسلحة غير المشروعة التي تنطلق من أراضيها وتهدد الدول المجاورة إن احترام السيادة والمسؤولية عن الأمن الإقليمي مبدآن متكاملان، ولا يجوز استخدام أحدهما لإلغاء الآخر.

والأهم أن العمليات العسكرية، مهما كانت أهدافها المعلنة، تظل مقيدة بقواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، والتناسب، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتجنب الإضرار بالسكان وقد أظهرت المواجهات خلال عام 2026 أن المدنيين يدفعون ثمناً باهظاً، في وقت تعاني فيه أفغانستان أصلاً أزمة إنسانية واقتصادية عميقة.

عندما تصبح القوة العسكرية بديلاً عن السياسة

تشير التجربة الراهنة إلى أن التصعيد العسكري قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه لا يضمن تحقيق أهداف استراتيجية طويلة الأمد فالقصف الجوي قد يدمر موقعاً عسكرياً، لكنه لا يعالج بالضرورة أسباب التطرف، ولا يعيد بناء الثقة بين دولتين، ولا يحل النزاعات التاريخية حول الحدود كما أن استمرار المواجهات قد يعزز الخطابات المتشددة داخل الطرفين، ويضعف الأصوات الداعية إلى الحوار، ويزيد من صعوبة تقديم تنازلات سياسية متبادلة وهنا تكمن خطورة تحول القوة العسكرية من وسيلة استثنائية إلى أداة رئيسية لإدارة العلاقات الخارجية فالدولة التي تعتمد بصورة متزايدة على الردع العسكري قد تجد نفسها أمام معضلة مستمرة: كل عملية تستدعي رداً، وكل رد يفتح الباب أمام تصعيد جديد ولا يعني ذلك تجاهل التهديدات الأمنية التي تواجهها باكستان، أو التقليل من مسؤولية السلطات الأفغانية عن ضبط الجماعات المسلحة بل يعني أن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تنجح بصورة مستدامة دون معالجة الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تسمح باستمرار التنظيمات المسلحة.

دروس تتجاوز حدود أفغانستان وباكستان

إن ما يحدث بين البلدين ليس شأناً محلياً فحسب، بل يقدم درساً لدول المنطقة التي اعتادت النظر إلى الجماعات المسلحة بوصفها أدوات منخفضة التكلفة لتحقيق النفوذ فالمكاسب السياسية المؤقتة قد تتحول إلى أعباء أمنية تستمر لعقود كما أن إضعاف الدولة المجاورة لا يعني بالضرورة تعزيز أمن الدولة الأخرى، لأن انهيار المؤسسات وانتشار السلاح وتراجع الاقتصاد قد يخلق تهديدات عابرة للحدود ولعل الدرس الأهم هو أن الأمن القومي لا يتحقق فقط بامتلاك جيش قوي أو أجهزة استخبارات مؤثرة، بل بوجود رؤية سياسية تدرك أن استقرار الجيران جزء من الاستقرار الوطني وفي عالم تتداخل فيه التهديدات الأمنية والاقتصادية والإنسانية، لم تعد الحدود وحدها قادرة على حماية الدول من نتائج سياساتها الخارجية.

الخاتمة: هل تتعلم الدول من أخطائها؟

إن الصراع بين باكستان وأفغانستان يعيد طرح سؤال قديم في العلاقات الدولية: هل يمكن بناء الاستقرار من خلال إدارة الفوضى خارج الحدود؟.

وإذا كانت باكستان تسعى إلى حماية أمنها القومي، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في قدرتها على مواجهة طالبان باكستان أو الضغط على كابول، بل في مراجعة الأسس الاستراتيجية التي حكمت علاقتها بأفغانستان لعقود وفي المقابل، فإن مسؤولية السلطات الأفغانية لا تقتصر على الدفاع عن سيادة البلاد، بل تشمل العمل على منع استخدام أراضيها في تهديد أمن الدول المجاورة، وحماية السكان من تداعيات الصراع.

فالدولة القوية ليست تلك التي تستطيع التأثير في مصير جيرانها عبر الجماعات المسلحة، بل تلك التي تستطيع حماية شعبها وبناء علاقات مستقرة تقوم على القانون والمصالح المشتركة.

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مطروحاً أمام صناع القرار في المنطقة هو: هل نتعلم من أخطاء الماضي، أم نكتفي بتغيير الأدوات والأسماء بينما نواصل إنتاج الأزمات نفسها؟

اﻟﺳﯾرة اﻟذاﺗﯾﺔ ﻛﺎوه ﻋﻣر خوشناو ھو ﻣﺣﺎم ٍ ﻣﺗﺧﺻص ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ، واﻟﻘﺎﻧون اﻟﺟﻧﺎﺋﻲ اﻟدوﻟﻲ، وﺣﻘوق اﻹﻧﺳﺎن. ﯾﺣﻣل درﺟﺔ اﻟﻣﺎﺟﺳﺗﯾر ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧون اﻟﻌﻣﻠﯾﺎت اﻟدوﻟﯾﺔ ﻣن ﻛﻠﯾﺔ اﻟدﻓﺎع اﻟﺳوﯾدﯾﺔ، ودرﺟﺔ اﻟﺑﻛﺎﻟورﯾوس ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧون ﻣن ﺟﺎﻣﻌﺔ دل ﻓﺎﻟﻲ دي ﻣﻛﺳﯾﻛو. ﻛﻣﺎ ﺣﺻل ﻋﻠﻰ دﺑﻠوم ﻓﻲ ﻗﺎﻧون ﺣﻘوق اﻹﻧﺳﺎن ﻣن اﻟﻣﺣﻛﻣﺔ اﻟﻌﻠﯾﺎ ﻓﻲ اﻟﻣﻛﺳﯾك، ودﺑﻠوم ﺣول دور اﻟﻣﻧظﻣﺎت ﻏﯾر اﻟﺣﻛوﻣﯾﺔ ﻓﻲ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ ﻓﻲ إطﺎر أﺟﻧدة اﻷﻣم اﻟﻣﺗﺣدة 2030، ﺑرﻋﺎﯾﺔ اﻟﻣﻔوﺿﯾﺔ اﻟﻌﻠﯾﺎ ﻟﺣﻘوق اﻻﻧﺳﺎن ﻓﻲ اﻟﻣﻛﺳﯾك وﻣﺟﻠس اﻟﺷﯾوخ اﻟﻣﻛﺳﯾﻛﻲ. وﯾﺗﻣﺗﻊ ﺑﺧﺑرة ﻓﻲ اﻟﻌﻣل اﻟﺣﻛوﻣﻲ ورﺻد ﺟراﺋم اﻟﺣرب واﻧﺗﮭﺎﻛﺎت اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ اﻹﻧﺳﺎﻧﻲ ﺑﺷﻛل ﻣﺳﺗﻘل.

قد يعجبك ايضا
∧