خان الخليلي … خارج وجه السياحة.. حكايات الروح وقسوة الحياة

 

القاهرة – حمدي العطار

 

لم تكن مشاركتنا في مهرجان النور التاسع للثقافة والإبداع، دورة المفكر الدكتور عبد الحسين شعبان، مقتصرة على الندوات الفكرية والأمسيات الشعرية والفعاليات الفنية، بل قادتنا الرغبة في اكتشاف وجوه أخرى للقاهرة إلى التجوال في أزقة خان الخليلي ومحيط مسجد الإمام الحسين، حيث تتداخل الروحانية بالعادات الشعبية، وتجاور مظاهر الاحتفاء الديني مشاهد اجتماعية تكشف عن جانب مختلف من الحياة في القاهرة القديمة.

 

فالقاهرة ليست مدينة المتاحف والقصور والأسواق التاريخية وحدها، وإنما هي أيضاً مدينة التفاصيل التي لا تظهر في المسارات السياحية المعتادة، وتحتاج إلى عين تتأمل ما وراء المشهد، وتبحث عن الإنسان في حياته اليومية، وعن الطقوس التي توارثتها الأجيال وحافظت عليها رغم تغير الأزمنة.

 

*حلقات الذكر.. روحانية المكان

 

تعد منطقة خان الخليلي ومحيط مسجد الإمام الحسين من الأماكن التي ترتبط في الوجدان الشعبي المصري بأجواء الذكر والابتهالات الدينية، ولا سيما في المناسبات والمواسم الخاصة. ففي هذه المنطقة العريقة، تتجاور المساجد والأضرحة والزوايا مع المقاهي والأسواق والأزقة القديمة، في مشهد تتداخل فيه الحياة اليومية بالموروث الروحي والشعبي.

 

وتشهد المنطقة في أوقات ومناسبات مختلفة، حلقات لتلاوة القرآن الكريم وترديد الأذكار والابتهالات والمدائح النبوية فيما تنظم الطرق الصوفية فعاليات خاصة في بعض المواسم الدينية. وتمنح هذه الممارسات المكان طابعاً مميزاً، إذ تتحول الكلمات والأناشيد الدينية إلى جزء من ذاكرته الحية، وتعبر عن صلة الناس بالموروث الروحي الذي تناقلوه عبر الأجيال.

 

ولا يقتصر المشهد على الجانب الديني، بل يمتد في بعض المناسبات إلى مظاهر احتفالية شعبية، تتداخل فيها الأناشيد والحركات الإيقاعية والعادات المتوارثة لتشكل لوحة من التنوع الثقافي الذي تتميز به القاهرة القديمة.

 

 

 

*خلف الأزقة.. مشاهد لا تراها العين العابرة

 

لكن الوجه الآخر للمنطقة بدأ يتكشف لنا حين ابتعدنا عن المسارات المزدحمة بالسياح، وتوغلنا أنا والصديق داوود الفريح في الأزقة الضيقة المتفرعة من خان الخليلي. هناك، صادفنا مشاهد مختلفة تماماً عن الصورة التي يألفها زائر القاهرة، رجالاً ونساءً يفترشون الأرض وينامون في الشوارع بالقرب من بعض الزوايا والتكايا والجمعيات المرتبطة بأنشطة الذكر والعمل الخيري.

 

كانت تلك المشاهد تطرح أسئلة تتجاوز فضول السائح العابر: كيف تتجاور مظاهر الاحتفاء الروحي مع قسوة الحياة اليومية؟ وما الذي تقوله هذه التفاصيل عن الفئات التي تعيش على هامش المدينة بعيداً عن واجهاتها السياحية وأسواقها الشهيرة؟

 

وفي بعض المواقع لفت انتباهنا وجود أنشطة لإعداد الطعام وتوزيعه على الناس، إذ تذبح الأبقار وتطبخ كميات من الطعام لتقديمها إلى المحتاجين أو المشاركين في بعض التجمعات، طلباً للبركة وإحياءً لعادات اجتماعية ودينية متوارثة. وهنا يتداخل الاعتقاد الشعبي بفعل العطاء، وتتحول مشاركة الطعام إلى ممارسة جماعية تحمل دلالات التكافل والتقرب الروحي.

 

غير أن المشهد لم يكن كله مريحاً؛ فقد بدت بعض الأماكن غير مهيأة بما يكفي لتناول الطعام، من حيث النظافة والتنظيم، على الرغم من إقبال بعض الموجودين عليه بشهية واضحة. وكان التناقض لافتاً بين بساطة الظروف التي يعيشها بعض الناس وبين استمرار هذه الطقوس التي تجمعهم حول الطعام والذكر.

 

*ما وراء الصورة السياحية

 

ما شاهدناه في تلك الأزقة لا يمكن اختزاله في حكم سريع، ولا يصح اتخاذه صورة شاملة عن المنطقة أو أهلها. لكنه يفتح نافذة على عالم اجتماعي متنوع، تتجاور فيه الممارسات الروحية مع أشكال التضامن الشعبي، كما تظهر فيه مشكلات الفقر والتهميش والحاجة إلى ظروف معيشية أكثر ملاءمة.

 

ولعل ما يجعل هذه التجربة جديرة بالتأمل أن بعض هذه المشاهد لا تقع في صدارة الصورة السياحية التي تقدم للزائر؛ فهي تحتاج إلى التجوال والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية، لا الاكتفاء بالتقاط الصور أمام المعالم المعروفة.

 

 

لقد خرجنا من تلك الجولة بانطباع أن القاهرة القديمة ليست مجرد ذاكرة معمارية أو سوق تاريخية، بل فضاء إنساني تتشابك فيه المعتقدات والعادات والاحتياجات الاجتماعية. وفي الأزقة التي لا تتسع إلا لخطوات المارة، تتكشف حكايات لا تقل أهمية عن الحكايات التي ترويها الكتب والمتاحف.

 

خاتمة

 

على هامش مهرجان النور التاسع، كانت جولتنا في خان الخليلي ومحيط مسجد الإمام الحسين رحلة إلى ما وراء المشهد المألوف؛ رحلة كشفت لنا أن المدن لا تُقرأ من واجهاتها وحدها، وأن التراث الحي لا يسكن الأبنية القديمة فحسب، بل يعيش في سلوك الناس وطقوسهم وتفاصيل يومهم. وبين حلقات الذكر ومشاهد النوم في الشوارع وموائد الطعام الشعبي، بدت القاهرة مدينةً تجمع التناقضات في مكان واحد، وتترك لزائرها أسئلة مفتوحة عن الروح والمجتمع، وعن المسافة بين سحر المكان وقسوة الحياة. عرض أقل

قد يعجبك ايضا
∧