محمد الكعبي
ليست المشكلة أن يضع الوزير يده بجانب القرآن وهو يؤدي اليمين الدستورية، بل أن يضع يده على السلطة ثم ينسى الأمانة، وأن يستحضر المقدس أمام الكاميرات بينما تُنتهك حقوق الناس خلف أبواب المؤسسات، فالمشهد الذي تبدو فيه يد المسؤول بعيدة عن المصحف قد يثير الجدل، لكن ما يستحق المساءلة حقا هو مدى انعكاس القيم التي يمثلها القرآن على قرارات من يتولون شؤون الدولة.
ومع أن صورة عابرة لا تكفي للحكم على النيات، فقد تكون وراءها اعتبارات إجرائية أو بروتوكولية لا تظهر للمشاهد، فإنها تفتح بابا لسؤال أعمق: هل يظل الدين مرجعا أخلاقيا يوجّه سلوك المسؤول، أم يتحول في بعض المشاهد السياسية إلى رمز يمنح المراسم هيبة شكلية، من دون أن ينعكس بالضرورة على الممارسة؟
فالوزير حين يتولى منصبه، لا يشغل موقعا إداريا فحسب، بل يتحمل مسؤولية دستورية وأخلاقية تجاه الشعب، تتعلق بخدمة المواطنين، واحترام القانون، وصيانة المال العام، وأداء الواجب بأمانة، وتبدأ حقيقة هذه المسؤولية بالظهور بعد انتهاء المراسم، حين يصبح المسؤول أمام اختبار القرارات والمواقف، لا أمام عدسات التصوير.
بين الرمز والالتزام
إذا كان القرآن الكريم حاضرا في مشهد القسم، فإن حضوره ينبغي أن يستدعي القيم التي يحملها، وفي مقدمتها العدل والصدق والأمانة والوفاء بالعهد، فهناك فرق بين احترام الرمز واحترام المضمون؛ إذ قد يكتمل المشهد من الناحية الشكلية، بينما تتناقض الممارسة مع المبادئ التي يرمز إليها.
وهنا لا يعود السؤال متعلقا بموضع اليد من المصحف بقدر ما يتعلق بسلوك المسؤول بعد تسلّمه السلطة: ماذا يعني أن يستحضر القرآن في مراسم التنصيب، ثم يتهاون في حقوق المواطنين، أو يتستر على الفساد، أو يوظف منصبه لخدمة حزبه وجماعته، أو يسمح بالتجاوز على المال العام؟
إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الصورة بحد ذاتها، بل في احتمال انفصال الرمز الديني عن السلوك السياسي؛ حين يكون المقدس حاضرا أمام الكاميرات، بينما تغيب قيمه عن القرارات والمواقف، عندها تتسع الفجوة بين ما يعلنه المسؤول وما يمارسه، ويصبح المظهر عاجزا عن إخفاء حقيقة الأداء.
الأمانة معيار المسؤولية
لقد وضع القرآن الكريم معيارا واضحا للمسؤولية حين قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا﴾ النساء، الآية 58.
فالأمانة ليست مفهوما وعظيا مجردا، بل أساس في إدارة الشأن العام فالمنصب أمانة، والمال العام أمانة، وحقوق المواطنين أمانة، والقرارات التي تؤثر في حياة الناس أمانة، وكل مسؤول يتولى موقعا عاما مطالب بترجمة هذا المعنى إلى سلوك عملي، من خلال النزاهة والشفافية واحترام القانون والخضوع للمساءلة.
ولا يعني احترام القرآن أن يقتصر الأمر على ملامسته باليد أو الوقوف أمامه في مراسم رسمية؛ فالمعيار الأعمق هو احترام القيم التي يدعو إليها. وفي المقابل، لا يجوز الحكم على شخص بالاستخفاف بالمقدسات اعتمادا على لقطة لا تكشف ملابساتها كاملة، فالإنصاف يقتضي التثبت قبل إصدار الأحكام، كما أن احترام الرموز الدينية لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة تعفي المسؤول من المساءلة عن أفعاله وقراراته، وبذلك، فإن القضية ليست خلافا على تفاصيل المراسم، بل سؤال عن معنى المسؤولية وحدود الفصل بين الخطاب والممارسة، فحين تتقدم الولاءات الحزبية والشخصية على المصلحة العامة، وتُقدَّم المصالح الخاصة على حقوق المواطنين، يصبح الخلل في إدارة الدولة أعمق من أن تعالجه الشعارات أو المظاهر.
حيث ينتظر المواطن من مؤسسات الدولة أن تصون كرامته وتحمي حقوقه وتوفر له الخدمات والعدالة، تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة فالمجتمع لا يحتاج إلى مسؤول يجيد أداء المراسم بقدر حاجته إلى مسؤول يلتزم بواجباته، ولا يحتاج إلى استعراض الرموز الدينية بقدر حاجته إلى رؤية قيمها حاضرة في الإدارة والحكم، إن المواطن الذي يعاني نقص الخدمات، أو ضياع الحقوق، أو غياب العدالة، لا تعوّضه المظاهر الرسمية عن إدارة نزيهة، ولا تمنحه الخطب والوعود بديلا عن مؤسسات تحترم القانون وتخضع للمحاسبة فالمعيار الحقيقي للمسؤولية هو ما يتحقق على أرض الواقع من حماية للمال العام، وعدالة في توزيع الفرص، ومواجهة للفساد، واحترام لكرامة الإنسان، ومن هنا، فإن استحضار المقدسات في الحياة العامة ينبغي أن يعزز المسؤولية الأخلاقية، لا أن يتحول إلى وسيلة للتأثير في مشاعر الناس أو اكتساب الثقة من دون استحقاق عملي، فالمسؤولية العامة تُقاس بالأداء والنتائج، وتظل خاضعة للمساءلة مهما كانت الرموز التي تحضر في مراسم تولي المنصب، فالقرآن ليس زينةً للمشهد السياسي، والمراسم ليست غاية في ذاتها، بل يفترض أن تكون بداية لمرحلة من العمل المسؤول الذي تظهر آثاره في حياة الناس وحقوقهم وكرامتهم.