فاطمة علي العبيدي
حين تتحوّل الحياة إلى انتظار عطلة والوطن إلى سباقٍ يومي من أجل البقاء يصبح السؤال أكبر من مجرّد شكوى ماذا فعلنا بكل هذه السنوات
عجيبةٌ هي حياتنا في هذا البلد نركض من يومٍ إلى يوم ومن أسبوعٍ إلى آخر وكأن غايتنا الوحيدة أن نصل إلى الجمعة ننتظرها لنلتقط أنفاسنا من تعب العمل وضغط المعيشة وثقل المسؤوليات حتى نسينا أن نسأل أنفسنا هل نعيش حقاً أم أننا نقضي أعمارنا في محاولة النجاة فقط
اليوم خميس وغداً جمعة وبعدها يبدأ الركض من جديد
لكن، لحظة واحدة لنسأل السؤال الذي لا يريد أحد أن يسمعه ماذا صنعنا لهذ البلد وماذا صنع البلد بأبنائه
سنواتٌ تمرّ وأجيالٌ تكبر وأحلامٌ تُدفن قبل أن ترى النور المواطن العراقي يركض خلف لقمة عيشه ويحسب ألف حساب لمصاريف بيته ويخاف على مستقبل أطفاله بينما يبقى السؤال عن أبسط حقوقه معلّقاً أين الحياة الكريمة التي وُعِد بها
هل خُلق المواطن ليعمل ويدفع وينتظر ويصبر فقط وهل أصبحت وظيفة الشعب أن يتحمّل نتائج الإخفاقات بينما يتحوّل الإصلاح إلى شعار والمحاسبة إلى حديث يتكرّر كلما احتاج أحدهم إلى كسب ثقة الناس
انتخب ثم انتظر اسكت، ثم تحمّل. طالب بحقّك، فيقال لك اصبر
وإلى متى يكون الصبر هو الحلّ الوحيد الذي يُطلب من المواطن بينما لا نرى بالقدر نفسه جدّيةً في محاسبة المقصّرين ولا نتائج توازي حجم الوعود
لسنا ضدّ الوطن، ولسنا ضدّ العمل ولسنا ضدّ الصبر؛ لكننا ضدّ أن يتحوّل الصبر إلى غطاءٍ دائم للفشل، وضدّ أن يُطلب من المواطن أن يتكيّف مع الأزمات بدلاً من أن تعمل مؤسسات الدولة على إنهائها
الوطن ليس خطاباتٍ تُلقى ولا صوراً تُنشر ولا وعوداً تُجدَّد عند كل استحقاق. الوطن كهرباءٌ لا تقطع حياة الناس وماءٌ صالح للشرب، ومستشفى يحفظ كرامة المريض، ومدرسة تمنح أبناءنا فرصةً حقيقية وفرصة عملٍ لا تجعل الشباب أسرى الانتظار
الوطن أن يشعر الإنسان أن تعبه يصنع مستقبلاً، لا أن يستهلك عمره ليؤمّن يومه فقط
والأخطر من ضياع المال والفرص أن نعتاد هذا الواقع وأن يصبح الفشل أمراً طبيعياً والفساد خبراً عابراً والوعود مادةً للسخرية، وأن نفقد حتى الرغبة في السؤال لأننا لم نعد نصدّق أن الإجابة ستغيّر شيئاً
هنا تبدأ الكارثة الحقيقية حين يتعب المواطن من المطالبة بحقّه وحين يصبح الصمت أسهل من المواجهة وحين ينشغل الجميع بتدبير أمور يومهم إلى درجة ينسون معها حقّهم في غدٍ أفضل
وماذا سنترك خلفنا
حين نغادر هذه الدنيا، ماذا سيبقى من أعمارنا هل سنترك أثراً ينفع الناس أم سنترك لأبنائنا الأزمات نفسها والأسئلة نفسها والانتظار نفسه
لا نريد أن نعيش حتى الجمعة فقط نريد أن نعيش حياةً تستحق أن تُعاش. نريد دولةً يشعر فيها المواطن أن صوته ليس ورقةً انتخابية تنتهي صلاحيتها بعد الاقتراع وأن كرامته ليست منّةً من مسؤول وأن حقوقه ليست وعوداً مؤجّلة إلى إشعارٍ آخر
إن محاسبة المسؤول المقصّر ليست خصومةً مع الدولة بل حمايةٌ لها ومطالبة المواطن بحقوقه ليست خروجاً على الوطن، بل دفاعٌ عن معناه الحقيقي
فإلى متى نركض، ومن المسؤول عن هذا السباق الذي لا يصل فيه المواطن إلى خطّ النهاية
إلى متى تمرّ السنوات ونقيس نجاحنا بأننا تجاوزنا يوماً آخر، لا بأننا حقّقنا خطوةً إلى الأمام
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لشعبٍ ليس أن يتعب، بل أن يعتاد التعب وليس أن ينتظر، بل أن يقتنع بأن الانتظار قدرٌ لا يتغيّر
نحن لا نحتاج إلى جمعةٍ نرتاح فيها من الوطن، بل إلى وطنٍ لا نحتاج إلى الهروب من همومه كلّ يوم
فالأعمار لا تنتظر إصلاحاً مؤجّلاً والأجيال لا تستعيد سنواتها الضائعة والتاريخ لا يسأل كم وعداً أطلق المسؤول بل ماذا أنجز، وكم حقّاً أعاد إلى أصحابه
ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح بصوتٍ عالٍ
هل سنبقى نركض حتى تنتهي أعمارنا أم يأتي يومٌ نرى فيه ثمرة تعبنا ونشعر أن هذا البلد لنا كما أن واجباته علينا؟