أمل حسن
يُعدّ الاندماج من أجمل الخطوات وأهمّها في بناء المجتمعات، لما تحمله هذه الكلمة من معانٍ عميقة وقيم إنسانية نبيلة، ولا سيما حين يتعلّق الأمر بحياة وطن وشعبه. فعندما نتعمّق في معنى الاندماج، ندرك أنه ليس فقط تعايش بين أفراد مختلفين، بل هو مشاركة حقيقية في الحياة، وشعور بالانتماء إلى وطن واحد يجمع أبناءه في السراء والضراء، ويحتضن جميع مكوّناته دون تمييز أو تفرقة، بحيث لا يكون هناك فرق بين إنسان وآخر بسبب أصله أو قوميته أو لغته أو دينه.
ولعلّ ألمانيا، البلد الذي نعيش فيه اليوم، تقدّم مثالًا واضحًا على ذلك؛ ففي أماكن العمل، نرى العربي والأفغاني والألماني والإيراني والأوكراني والفيتنامي والتركي والكردي والروسي والأمريكي والروماني والألباني والإفريقي وغيرهم، يعملون جنبًا إلى جنب، ويجمعهم إطار واحد من الحقوق والواجبات. فلا يتفوّق أحد على الآخر بسبب انتمائه القومي أو العرقي، وإنما يتمايز الناس بجهودهم وكفاءاتهم وقدراتهم، في ظلّ احترام القانون وتكافؤ الفرص.
والأمر نفسه نراه في المدارس، حيث يجتمع الأطفال من مختلف الجنسيات والثقافات، ويتشاركون اللعب والمرح والدراسة، ويبنون صداقات تتجاوز الحدود القومية والاختلافات الثقافية. وهنا تتجلّى القيمة الحقيقية للاندماج؛ إذ يتعلّم الأطفال منذ الصغر أن الاختلاف لا يعني التفرقة، وأن احترام الآخر والتعاون معه هما أساس بناء مجتمع متماسك ومتقدّم.
إنّ الاندماج، بوصفه مشروعًا مجتمعيًا وحضاريًا، لا يمكن أن يكون إلا خطوة إيجابية وجميلة إذا طُبّق بصورة صحيحة، قائمة على المساواة والعدالة واحترام التنوع. ولعلّ ما حقّقته دول أوروبية وغيرها من الدول المتقدّمة في هذا المجال يستحق التأمل والاستفادة منه، بما يتناسب مع خصوصية كل مجتمع وظروفه.
ومن هنا، فإنّ المجتمع السوري، بل المجتمع الشرقي عمومًا، مدعوّ إلى إعادة النظر في بعض الأفكار والممارسات التي كرّست التمييز والتعصّب والشوفينية على مدى عقود. فالسوريون الذين عاشوا في أوروبا، واختبروا مجتمعات متعددة الثقافات، أتيحت لهم فرصة التعرّف عن قرب إلى معنى الاندماج، وإلى أهمية احترام حقوق الآخرين والتعامل معهم على أساس المساواة والمواطنة.
لذلك، ينبغي أن تتحوّل هذه التجارب إلى دروس عملية نستفيد منها في بناء سوريا الجديدة، بعيدًا عن العقليات الإقصائية والممارسات التي تقوم على الظلم أو الاعتداء على حقوق الآخرين.
فاللجوء، على الرغم من قسوته وتحدّياته، أتاح لكثير من السوريين فرصة التعرّف إلى نماذج مختلفة في إدارة التنوع، وتنظيم العلاقة بين مكوّنات المجتمع، وترسيخ مبدأ أن الحقوق لا تُمنح لفئة دون أخرى، بل هي حقوق متساوية لجميع المواطنين.
إننا اليوم، ونحن نتطلّع إلى سوريا جديدة، نحتاج إلى مشروع وطني حقيقي يجمع جميع السوريين تحت سقف وطن واحد، على أساس المواطنة المتساوية، والعدالة، واحترام التنوع القومي والديني والثقافي. سوريا التي لا يشعر فيها أي مكوّن بأنه أقلّ شأنًا من غيره، ولا تُقصى فيها أي فئة بسبب هويتها أو انتمائها، بل يكون لكل مواطن فيها الحق نفسه في الكرامة والحرية والمشاركة في بناء مستقبل البلاد.
عندها فقط نستطيع أن نبني معًا، ونزدهر معًا، ونرتقي معًا، ونؤسّس دولة تحترم جميع أبنائها، وتستمدّ قوتها من تنوّعهم، وتحوّل اختلافاتهم إلى مصدر غنى وقوة بدلًا من أن تجعلها سببًا للصراع والانقسام.
فالاندماج الحقيقي ليس خضوع مكوّن لآخر، ولا ذوبان هوية في هوية أخرى، بل هو شراكة متكافئة بين الجميع، في ظلّ وطن يتّسعح لكل أبنائه.
وهذا هو جوهر الاندماج السلمي والحضاري الذي تتحدّث عنه المجتمعات المتقدّمة: أن تقوم السلطة على احترام جميع المواطنين، وأن تكون الدولة مظلّة جامعة لهم، وأن تُصان الحقوق دون تمييز، ليصبح الوطن ملكًا لجميع أبنائه، لا حكرًا على فئة دون أخرى.