الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
تتجه أنظار الفاعلين الدوليين وصناع القرار في الشرق الأوسط نحو واشنطن، حيث تشكل إنتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، المحرك الأساسي لإعادة رسم الملامح الاستراتيجية للمنطقة برمتها.
وتكتسب هذه الإنتخابات أهميتها الفائقة من كونها تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية والتعقيد، تتزامن مع تغيرات سياسية وانتخابية في المنطقة، وأعقاب تحولات بنيوية كبرى في ملفات غزة و لبنان والیمن و إيران.
وفي قلب هذا المشهد الجيوسياسي المتداخل، يجد إقليم كوردستان نفسه أمام إستحقاقات مصيرية تشريعية وأمنية تطال أمنه القومي، وتوازنات الطاقة لديه، ومستقبل شراكاته الدولية.
تستوجب الرؤية التحليلية في العلاقات الدولية عدم إختزال السياسة الخارجية للدول الكبرى في توجهات السلطة التنفيذية والبيت الأبيض وحدهما، بل قراءتها عبر القيود المؤسسية والتشريعية التي تفرضها موازين القوى داخل المطبخ التشريعي في واشنطن.
يمثل الكونغرس الأميركي بمجلسيه صانع القواعد والحدود المباشر لثلاثة ملفات استراتيجية تمس العراق وإقليم كوردستان بشكل مباشر، تبدأ بحجم ونوعية المساعدات العسكرية واللوجستية المخصصة لدعم قوات البيشمركة، مروراً بسقف وهيكل العقوبات الاقتصادية المطبقة على إيران وشبكاتها الإقليمية، وصولاً إلى تحديد الهندسة الأمنية للشراكات مع العراق ودول الخليج العربي.
وإذا ما أفضت صندوق اقتراع نوفمبر إلى خروج مجلس النواب عن سيطرة البيت الأبيض، وفق الأعراف السياسية التاريخية التي غالباً ما تكبد الحزب الحاكم خسائر في التجديد النصفي، فإن المبادرات الخارجية الكبرى ستواجه قيوداً تشريعية صارمة، وهو ما يضع أي تفاهمات أمنية أو اتفاقات استراتيجية تحت طائلة الرقابة المالية المعقدة والتدقيق الشديد في الميزانيات الدفاعية الموجهة للشركاء الدوليين.
إن قراءة السيناريوهات الانتخابية في واشنطن توضح حجم التأثير على بيئة إقليم كوردستان والمنطقة، ففي حال تمكن الحزب الجمهوري من إحكام سيطرته على الكونغرس، سينعكس ذلك في تبني نهج تشريعي متشدد يدفع باتجاه ممارسة أقصى درجات الضغط الردعي على إيران وشبكاتها الإقليمية، والتأكيد على ضرورة تثبيت الوجود الاستشاري والعسكري الأميركي في العراق وتأمين غطاء أمني وثيق للإقليم وقوات البيشمركة كعنصر استقرار في المنطقة.
وفي المقابل، فإن سيطرة الديمقراطيين تضغط عادة نحو مسارات التهدئة والدبلوماسية المشروطة، مع رهن التمويل والمساعدات العسكرية بالتقدم في ملفات الحوكمة والإصلاح الداخلي، والتأکيد علی موضوع إنعکاسات توحيد ألوية البيشمركة تحت مظلة وزارة موحدة، مما يحتم على الإقليم تسريع وتيرة الإصلاح المؤسسي لمواكبة متطلبات واشنطن التشريعية.
تنعكس هذه الديناميكيات التشريعية بوضوح على الرئة الاقتصادية لإقليم كوردستان وجيوبوليتيك الطاقة فيه، فتشديد السياسات والعقوبات الأميركية تجاه المحيط الإقليمي، في سيناريو الأغلبية الجمهورية ، يرفع منسوب الرقابة المالية على التجارة البينية والمنافذ الحدودية للإقليم، مما يستدعي امتثالاً أعلى بالنظام المالي الدولي.
وفي المقابل، فإن فتح واشنطن لمجالات التهدئة وتخفيف التوتر الإقليمي يمنح مرونة أكبر لحركة التجارة، ويوفر بيئة استثمارية ملائمة لإعادة استئناف تصدير نفط إقلیم كوردستان عبر ميناء جيهان بصورة مستدامة، فضلاً عن تعزيز فرص دمج الإقليم في مشاريع التنمية والممرات الاقتصادية بين الشرق الأوسط وأوروبا.
بناءاً على هذه المعطيات ومبادئ الواقعية الاستراتيجية في العلاقات الدولية، يتوجب على القيادة السياسية وصناع القرار في إقليم كوردستان تبني استراتيجية تحوط مرنة تضمن حماية المصالح العليا للإقليم، بصرف النظر عن خريطة المقاعد التي سيفرزها الكونغرس.
ويتطلب ذلك الإسراع في ترتيب البيت الداخلي وإنهاء التجاذبات الحزبية لتفعيل دور البرلمان وتشكيل حكومة إقليم قوية وموحدة، بالتوازي مع مأسسة العلاقات الأمنية مع واشنطن، وذلك عبر استكمال خطوات الإصلاح الهيكلي والتنظيمي داخل وزارة البيشمركة بعد نجاح خطوات توحيدها، بما يضمن صيانة المكتسبات الأمنية واستمرار الدعم التشريعي العابر للأحزاب في الكونغرس الأميركي.
كما يظل من الضروري بمكان صياغة معادلة استقرار دائمة مع الحكومة الاتحادية في بغداد لحل ملفات النفط والغاز والموازنة دستورية، إلى جانب تنويع الشراكات الدولية وتعميق العلاقات مع دول الاتحاد الأوروبي والخليج العربي.
إن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأميركية لن تظل حبيسة أروقة “الكابيتول هيل” في واشنطن، بل ستشكل المعالم الرئيسية للبيئة الأمنية والاقتصادية التي يتحرك فيها إقليم كوردستان.
وإن نجاح الإقليم في التعامل مع هذا الاستحقاق يعتمد كلياً على القدرة على قراءة موازين القوى في واشنطن مبكراً، والانتقال من موقع الترقب إلى موقع الفاعل المرن القادر على استثمار التحولات لحماية استقراره وأمنه القومي.