د نوري جاسم
ليست اللوحات والصور الكردية مجرد أعمال فنية أو مشاهد جميلة تحفظها الجدران وألبومات الصور، بل هي صفحات من ذاكرة شعب، ومرآة تعكس هويته الثقافية، وتاريخه الاجتماعي، وعلاقته بأرضه، وما تختزنه روحه من آمال وتجارب وحكايات. فالفن، في جوهره، ليس ما تراه العين فحسب، بل ما يستيقظ في الوجدان من معانٍ حين نتأمل ما نراه.
الوجه الكردي… حكاية إنسان وهوية وتحمل الصور الكردية التراثية قيمة تتجاوز جمال الملامح والأزياء؛ فهي توثّق أنماط الحياة، ووقار كبار السن، وملامح الأجيال الماضية، وتفاصيل المجالس والمناسبات الاجتماعية.

كما تمثل الأزياء التقليدية، بما تتضمنه من ألوان وتطريزات وتنوع إقليمي، لغة بصرية تعبّر عن ثراء الثقافة الكردية وخصوصيتها. وقد أصبحت هذه العناصر مصدر إلهام للفنانين الذين يستعيدون التراث في أعمال معاصرة، فيحوّلون الذاكرة إلى إبداع متجدد.
الطبيعة الكردية… حين تتحول الأرض إلى لوحة للجبال والوديان والقرى والسهول حضور مميز في المخيلة الفنية الكردية؛ فهذه الطبيعة ليست مجرد خلفية للصورة، بل فضاء تتداخل فيه مشاعر الانتماء والحنين والسكينة. ومن خلال الألوان والضوء والظلال، يستطيع الفنان أن ينقل إحساسه بالمكان، وأن يجعل المشاهد يرى في المشهد الطبيعي أكثر من جماله الظاهر؛ يرى علاقة الإنسان بأرضه، وارتباط الذاكرة بالمكان الذي نشأت فيه الحكايات.
اللوحات الكردية… من التراث إلى الفن المعاصر. ولم يتوقف الفن الكردي عند تصوير الحياة التقليدية، بل اتجه فنانون معاصرون إلى تجارب متنوعة تشمل الرسم والتصوير الفوتوغرافي والفن الرقمي والمنشآت الفنية. وتتناول بعض هذه الأعمال موضوعات الذاكرة والاغتراب والهوية والانتماء، فيما يتجه بعضها الآخر إلى التجريد والتجريب والتعبير عن المشاعر الإنسانية المشتركة. وهذا التنوع دليل على أن الثقافة الكردية ليست ماضيًا محفوظًا في الصور، بل تجربة حية قادرة على التجدد والتفاعل مع العالم.
ومن المهم ألّا نحصر اللوحة الكردية في الألم أو الصراع، على الرغم من حضورهما في جانب من تاريخ المنطقة؛ فهناك أيضًا مساحة واسعة للجمال والفرح والحب والأمومة والعمل والأمل. فالفن الذي يعبّر عن المعاناة يستحق أن يُرى، مثلما يستحق الفن الذي يحتفي بالحياة أن يجد مكانه في الذاكرة الثقافية.
الصور القديمة… وثائق لا ينبغي أن تضيع وكم من صورة قديمة تحمل معلومات لا نجدها في الكتب! صورة لرجل بزيه التقليدي، أو لامرأة في مناسبة اجتماعية، أو لعائلة أمام منزلها القديم، قد تكشف تفاصيل عن الملابس والعمران والعلاقات الاجتماعية وأساليب الحياة في زمن مضى. ولذلك فإن جمع هذه الصور وحفظها، وتوثيق تواريخها وأسماء أصحابها وأماكن التقاطها، يمثل مسؤولية ثقافية تحفظ للأجيال القادمة حقها في معرفة تاريخ مجتمعها. وتؤكد مبادرات حفظ التراث الكردي أهمية صون المقتنيات والصور والوثائق، إلى جانب الحرف والأزياء التقليدية.
الفن الكردي جسر للتواصل بين الشعوب وإن الاحتفاء باللوحات والصور الكردية لا يعني الانغلاق داخل حدود الهوية، بل يفتح نافذة للتعارف بين الثقافات. فحين يشاهد الإنسان من ثقافة أخرى لوحة تعبّر بصدق عن حياة إنسان كردي، أو صورة توثّق جمال المكان وتقاليده، فإنه يقترب من تجربة إنسانية قد تختلف عنه في تفاصيلها، لكنها تشترك معه في مشاعر الحب والكرامة والحنين والأمل.
وهنا تتجلى قيمة الفن الحقيقية؛ إذ يستطيع أن يقرّب المسافات بين الناس، وأن يقدّم الثقافة بعيدًا عن الصور النمطية والأحكام المسبقة، وأن يجعل الاختلاف مصدرًا للثراء لا سببًا للتباعد. وإن اللوحات والصور الكردية ثروة ثقافية تستحق الاهتمام والتوثيق والعرض، سواء أكانت أعمالًا لفنانين معاصرين أم صورًا تراثية توارثتها العائلات عبر الأجيال. ومن الضروري دعم الفنانين، وتشجيع المعارض، وإنشاء أرشيفات رقمية تحفظ الصور القديمة وتتيح للباحثين والجمهور الاطلاع عليها.
فالشعب الذي يحفظ صوره يحفظ جانبًا من ذاكرته، والفنان الذي يرسم أرضه وإنسانه يمنح هذه الذاكرة لغة جديدة، والأجيال التي تتأمل تراثها بوعي تستطيع أن تجمع بين الاعتزاز بالماضي والإبداع في الحاضر. فاللوحة ليست لونًا على قماش فحسب، والصورة ليست لحظة عابرة؛ إنهما ذاكرة الإنسان حين تتحول إلى جمال، وتاريخ الشعب حين يجد طريقه إلى عيون العالم. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..