لماذا اعتدنا التبرير في حين أن حقوقنا ليست منّة؟

مهند محمود شوقي

تساءلت كثيراً لماذا يجد الإنسان نفسه مضطراً إلى تبرير حقه في الحياة الكريمة، وكأن العدالة تحتاج إلى موافقة سياسية، أو أن الانتماء إلى الوطن لا يكتمل إلا برضا السلطة. فالحقوق لا تولد في مكاتب الحكومات، ولا تسقط بتغير موازين القوى، وإنما تستمد مشروعيتها من إنسانية أصحابها، ثم تأتي الدساتير لحمايتها. ومن هنا أفهم قضية الكورد في العراق؛ شعب لم يطلب امتيازاً على حساب الآخرين، بل أراد أن يعيش بكرامته وهويته، شريكاً في وطن ساهم في بنائه ودفع أثماناً باهظة من أجل استقراره.
لم يولد برلمان كوردستان بقرار من بغداد، ولم تكن مؤسسات الإقليم منحة سياسية. فقد سبقتها عقود من الحركات التحررية والأنفال وحلبجة والتهجير، وصولاً إلى انتفاضة آذار 1991 وانتخابات 19 أيار 1992 التي أنتجت أول برلمان منتخب في كوردستان. تلك المؤسسات قامت على تضحيات شعب أدرك أن حماية وجوده تبدأ ببناء مؤسساته، وأن الحرية التي لا تحرسها القوانين تبقى معرضة للضياع.
وبعد عام 2003، لم يقف الكورد على هامش إعادة بناء العراق، بل شاركوا في تأسيس نظامه السياسي الجديد. وكان لمسعود بارزاني والقيادات الكوردستانية دور محوري في التفاهمات التي رافقت تشكيل الحكومات المتعاقبة، وفي تثبيت الفيدرالية ضمن دستور 2005. وقد شكلت مواقف بارزاني دعامة سياسية مهمة في مراحل حساسة من تاريخ العراق، الأمر الذي يجعل اختزال العلاقة بين بغداد وأربيل في خلاف مالي قراءة قاصرة لتاريخ الشراكة.
لكن سؤالاً يرافقني كلما تابعت تصريحات المسؤولين والتغطيات الإعلامية: لماذا اعتدنا نحن الكورد تبرير حقوقنا؟ لماذا يبدو المسؤول الكوردي مطالباً بشرح أسباب تمسكه بحصة الإقليم ورواتب موظفيه وصلاحيات مؤسساته، بينما يفترض أن يكون الدستور حكماً بين الجميع؟
لنعد إلى الوقائع بعيداً عن الشعارات. فقد اعترفت المادة 117 بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة، ومنحته المادة 121 صلاحيات دستورية واضحة، فيما نظمت المادة 115 توزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية والأقاليم. أما المادة 140، فقد حددت 31 كانون الأول 2007 موعداً لاستكمال التطبيع والإحصاء والاستفتاء في كركوك والمناطق المتنازع عليها. مضت قرابة تسعة عشر عاماً على الموعد الدستوري، وبقي الملف دون تسوية نهائية. وإذا كانت هناك خلافات بشأن آليات التنفيذ، فهل يجوز أن يتحول التأجيل إلى بديل دائم عن الالتزام؟
وفي عام 2007 أيضاً، طُرح مشروع قانون النفط والغاز الاتحادي، لكنه لم يتحول إلى قانون نافذ. فالمادة 111 تقرر أن النفط والغاز ملك لجميع العراقيين، بينما تنظم المادة 112 الإدارة المشتركة للحقول المشمولة بأحكامها وتوزيع الإيرادات بصورة عادلة. ومع غياب التشريع الاتحادي، تراكمت الخلافات بشأن العقود والإنتاج والتصدير، وصولاً إلى حكم المحكمة الاتحادية في شباط 2022 بشأن قانون النفط والغاز في الإقليم. ولا يمكن إنكار الاختلافات القانونية بين الطرفين، لكن استمرارها طوال هذه السنوات يكشف عجزاً تشريعياً وسياسياً عن استكمال أحد أهم أسس الدولة الاتحادية.
ثم جاءت الموازنات لتكشف خللاً آخر. فقد تحولت حصة الإقليم والالتزامات النفطية وغير النفطية إلى مفاوضات متكررة، تتبادل خلالها بغداد وأربيل الاتهامات بشأن الإيرادات والتحويلات. وبحسب بيانات حكومة الإقليم، بلغت تخصيصاته المدرجة بين عامي 2019 و2025 نحو 146.4 تريليون دينار، مقابل تحويلات بلغت 33.4 تريليوناً. وهي أرقام تتطلب تدقيقاً في طبيعة التخصيصات والالتزامات والتسويات، لكنها تثير سؤالاً مشروعاً عن الفجوة بين المقرر والمنفذ، وعن مصير الحقوق المالية التي يفترض ألا تتأثر بالتجاذبات السياسية.
أما البيشمركة، التي يندرج تنظيمها ضمن صلاحيات الإقليم وفق المادة 121، فقد بقي تمويلها ورواتب منتسبيها وتجهيزها موضع خلاف، رغم دورها في مواجهة تنظيم داعش منذ عام 2014. فكيف تبقى حقوق قوات ساهمت في حماية العراق معلقة على تفاهمات مالية متغيرة، بدلاً من تنظيمها بآلية قانونية مستقرة؟
وفي 9 تشرين الأول 2020، توصلت بغداد وأربيل إلى اتفاقية سنجار لتنظيم الإدارة والأمن وتهيئة عودة النازحين وإعادة الإعمار. لكن جوانب أساسية منها ظلت متعثرة، واستمرت التعقيدات الأمنية ووجود الجماعات المسلحة في إعاقة الاستقرار. ولم تكن الخسارة سياسية فحسب؛ فالعائلات الإيزيدية التي تنتظر العودة إلى ديارها دفعت الثمن الإنساني لتأخر التنفيذ.
ومنذ تولي مسرور بارزاني رئاسة حكومة الإقليم في تموز 2019، اختارت حكومته مواصلة التفاوض لمعالجة الخلافات. وقد أبدت مرونة في ملفات النفط والإيرادات والرواتب، وصولاً إلى ترتيبات التصدير عبر شركة سومو واستئناف ضخ النفط عبر جيهان في أيلول 2025، بعد توقف استمر منذ آذار 2023. كما استمرت المباحثات خلال عام 2026 بشأن الالتزامات المالية وموازنة 2027. وهذه الخطوات لا تعني انتهاء الخلافات أو تنفيذ جميع الالتزامات، لكنها تؤكد أن باب التفاهم ظل مفتوحاً.
وليس المقصود إعفاء أربيل من المساءلة؛ فمن حق بغداد المطالبة بالإيرادات والالتزامات القانونية، مثلما يحق للإقليم المطالبة بمستحقاته الدستورية. غير أن المساواة أمام القانون، التي تقررها المادة 14، تقتضي ألا تتحول رواتب المواطنين إلى وسيلة ضغط، وألا تصبح حقوقهم رهينة خلافات المؤسسات.
وأرى أن مرونة مسرور بارزاني في التفاوض لا تتعارض مع الثبات على الحقوق، بل تعكس إدراكاً بأن الشراكة تحتاج إلى حلول عملية. لكن المرونة لا تستطيع وحدها إنقاذ اتفاقيات تفتقر إلى التنفيذ، ولا بناء ثقة تتجدد أزماتها مع كل موازنة.
وهنا تقع مسؤولية على الإعلام الكوردي أيضاً؛ فبدلاً من الانشغال الدائم بتبرير المواقف، علينا تقديم سجل موثق لما نُفذ وما تعثر، ومن يتحمل المسؤولية، دون انفعال أو دفاع غير مشروط عن أي حكومة.
لقد ساهم الكورد في بناء العراق الجديد وصياغة دستوره وحماية أمنه، وليس مطلوباً منهم إثبات ذلك عند كل خلاف. والمطلوب من بغداد وأربيل احترام العقد الدستوري الذي ارتضياه، لأن قوة الدولة تقاس بقدرتها على صيانة حقوق مواطنيها.
فالحقوق التي صانتها التضحيات وأقرها الدستور ليست منّة من أحد، والشراكة الحقيقية تبدأ عندما يصبح تنفيذ الالتزامات واجباً لا يحتاج إلى تبرير.

قد يعجبك ايضا
∧