كاتانيش… حين تصبح العاطفة خصماً للاحتراف

مظفر العقابي
القاهرة

في شتاء عام ٢٠٢٣، وفي دبي التي احتضنت معسكراً لمنتخب أوزبكستان، جمعني لقاء بالمدرب المونديالي السلوفيني سريتشكو كاتانيش، الذي قاد أسود الرافدين خلال مرحلة مهمة من تاريخ الكرة العراقية، إبان رئاسة الملا عبد الخالق مسعود للاتحاد العراقي لكرة القدم.
تحدثنا طويلاً عن تجربته مع منتخبنا، لكنه أطلق عبارة بقيت عالقة في ذاكرتي، واستحضرتها كثيراً وأنا أتابع مسيرة العراق في البطولات اللاحقة. قال إن اللاعب العراقي عاطفي أكثر مما هو احترافي، وإنه يتأثر بشدة بما يُكتب عنه في الصحافة، وما يُقال في البرامج الرياضية، وما يتداوله الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سلباً وإيجاباً.
كانت كلمات كاتانيش أشبه بمصباح أضاء زاوية خفية من معاناة لاعبينا؛ فكم من لاعب دخل مباراة مثقلاً بمديح مبالغ فيه، أو خرج من أخرى محاصراً بسهام النقد، حتى أصبحت الكلمات أحياناً أشد وطأة من المنافس، وأكثر قدرة على زعزعة الثقة من ضغط المدرجات.
ولعل المشكلة ليست في العاطفة ذاتها؛ فهي سر من أسرار ارتباط اللاعب العراقي بقميص الوطن، وهي التي تجعله يقاتل من أجل راية العراق، وتمنحه ذلك الشغف الذي يشعل المدرجات ويمنح الانتصارات مذاقاً استثنائياً. لكن العاطفة التي تصنع المجد حين تنضبط، قد تتحول إلى عبء حين تستولي على العقل وتسرق هدوء القرار.
هنا تتجلى قيمة الاحتراف الحقيقي؛ فليس المطلوب من لاعبينا أن يتخلوا عن مشاعرهم، بل أن يتعلموا كيف يحصّنونها، ويميزون بين النقد الفني والتجريح، وبين ضجيج المنصات ومتطلبات المستطيل الأخضر. فاللاعب الذي يستهلك طاقته في مراقبة ما يُكتب عنه، قد يخسر جزءاً من تركيزه قبل أن تبدأ المواجهة.
وتقع على الإعلام الرياضي مسؤولية موازية؛ فكلماته لا تنتهي عند الشاشة، بل قد ترافق اللاعب إلى غرفة الملابس، وتؤثر في ثقته بنفسه واستعداده النفسي.
لقد علّمني ذلك اللقاء أن طريق المجد العراقي لا يحتاج إلى موهبة وشجاعة فحسب، بل إلى ثقافة احترافية تحمي الموهبة من الضجيج.
أسود الرافدين لا يحتاجون إلى قلوب أقل حباً للعراق، بل إلى عقول تعرف كيف تحوّل العاطفة إلى قوة، والضغط إلى دافع، والإيمان بالوطن إلى انتصار.

قد يعجبك ايضا
∧