الأستاذ المستشار نعمان عبد الغني
namanea@gmail.com
تولي الأمم المتحدة اهتمامًا متزايدًا بالرياضة، باعتبارها أداة فعّالة لتعزيز السلام، وتحقيق التنمية المستدامة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، وتحسين الصحة العامة، وترسيخ قيم التضامن والتسامح بين الشعوب. ولم تعد الرياضة في المنظور الأممي مجرد نشاط بدني أو منافسة لتحقيق الفوز، بل أصبحت وسيلة للتواصل بين الثقافات، ومجالًا لدعم الفئات الهشة، وتعزيز الاندماج الاجتماعي، والمساهمة في بناء مجتمعات أكثر عدلًا واستقرارًا.
الرياضة في منظومة الأمم المتحدة
تؤمن الأمم المتحدة بأن الرياضة تمتلك قدرة كبيرة على تجاوز الحواجز الثقافية والاجتماعية واللغوية، وتقريب الشعوب مهما اختلفت جنسياتها أو معتقداتها. ومن هذا المنطلق، تعمل هيئاتها وبرامجها المختلفة على توظيف الأنشطة الرياضية لخدمة الأهداف الإنسانية والتنموية، والاستفادة من شعبيتها الواسعة في نشر القيم الإيجابية.
ويبرز هذا الاهتمام من خلال عدد من المجالات والمبادرات التي تسعى إلى جعل الرياضة وسيلة لتحقيق التنمية والسلام، وربطها بالقضايا العالمية ذات الأولوية.
اليوم الدولي للرياضة من أجل التنمية والسلام
تحتفل الأمم المتحدة في السادس من أبريل من كل عام باليوم الدولي للرياضة من أجل التنمية والسلام، بهدف تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه الرياضة في تحقيق التقارب بين الشعوب، ونشر التسامح، ومكافحة التمييز، وتعزيز الحوار والتفاهم المتبادل.
ويمثل هذا اليوم فرصة للحكومات والمنظمات الرياضية والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني لتنظيم أنشطة وفعاليات تُبرز أهمية الرياضة في معالجة بعض المشكلات الاجتماعية، وتشجع على المشاركة الرياضية للجميع، بصرف النظر عن الجنس أو السن أو الوضع الاجتماعي أو القدرات البدنية.
كما يتيح المجال لتأكيد أن الرياضة يمكن أن تكون وسيلة لتعزيز ثقافة السلام، خاصة في المجتمعات التي تعاني النزاعات أو التهميش، شريطة توفير بيئة آمنة وعادلة تضمن المشاركة واحترام حقوق الإنسان.
الرياضة وأهداف التنمية المستدامة لعام 2030
تعترف الأمم المتحدة بالدور المهم للرياضة في دعم خطة التنمية المستدامة لعام 2030، لما لها من إسهامات في مجالات الصحة والتعليم والمساواة والإدماج الاجتماعي. فممارسة النشاط البدني بانتظام تساعد على تحسين الصحة والوقاية من بعض الأمراض، في حين تسهم البرامج الرياضية المدرسية والمجتمعية في تنمية مهارات التعاون والانضباط والعمل الجماعي لدى الأطفال والشباب.
وتؤدي الرياضة أيضًا دورًا في تعزيز المساواة بين الجنسين، من خلال توسيع فرص مشاركة الفتيات والنساء في الأنشطة والمنافسات الرياضية، ودعم حضورهن في مواقع القيادة والتسيير. كما يمكن أن تساعد على إدماج اللاجئين والأشخاص ذوي الإعاقة والفئات المحرومة، وتوفير فرص للتفاعل الاجتماعي وبناء الثقة بالنفس.
ومن الناحية الاقتصادية، يساهم تطوير القطاع الرياضي في خلق فرص العمل، وتنشيط السياحة، وتشجيع الاستثمار، وتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بالرياضة، شريطة أن تتم هذه الأنشطة وفق مبادئ الاستدامة والشفافية وتكافؤ الفرص.
أبرز المبادرات والجهات المعنية
تتعدد المبادرات والبرامج التي تربط الرياضة بالقضايا التنموية والإنسانية، ومن أبرزها:
– مبادرة كرة القدم لتحقيق الأهداف: أطلقتها الأمم المتحدة بالشراكة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، بهدف الاستفادة من الشعبية العالمية لكرة القدم في نشر الوعي بأهداف التنمية المستدامة وتشجيع المبادرات المجتمعية.
– معهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث: يسهم في تنظيم برامج وأنشطة تدريبية، وتعزيز الحوار والتعاون الدولي، ويمكن أن تدعم مبادراته توظيف الرياضة في الدبلوماسية وبناء القدرات والتماسك الاجتماعي.
– إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية بالأمم المتحدة: تضطلع بدور في متابعة القضايا التنموية، وتعزيز التعاون الدولي، ودعم الجهود الرامية إلى توظيف الرياضة في تحقيق التنمية والسلام، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
– إطار الرياضة من أجل العمل المناخي: يهدف إلى تشجيع المؤسسات الرياضية على تقليل بصمتها الكربونية، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والموارد، وتعزيز الوعي البيئي لدى الرياضيين والجماهير، بما ينسجم مع الجهود الدولية لمواجهة تغير المناخ.
الدبلوماسية الرياضية وسفراء النوايا الحسنة
تُعد الدبلوماسية الرياضية إحدى الوسائل التي تساعد على التقارب بين الدول والشعوب، إذ تتيح المنافسات والفعاليات الدولية فرصًا للحوار وتبادل الخبرات وتعزيز العلاقات الثقافية والإنسانية. كما تستعين بعض هيئات الأمم المتحدة بشخصيات رياضية وفنية معروفة، من خلال برامج سفراء النوايا الحسنة أو المناصرين، للمساهمة في نشر الوعي بالقضايا الإنسانية، مثل مكافحة الفقر، وحماية الأطفال، ودعم اللاجئين، وتعزيز المساواة.
غير أن نجاح هذه الجهود يتطلب تحويل الرسائل الإعلامية إلى برامج عملية ومستدامة، تضمن وصول فوائد الرياضة إلى الفئات الأكثر احتياجًا.
التحديات وآفاق المستقبل
على الرغم من أهمية الرياضة في المنظومة الأممية، فإن توظيفها في خدمة التنمية يواجه تحديات، من بينها نقص التمويل والمنشآت في بعض المناطق، وعدم تكافؤ فرص المشاركة، والتمييز والعنف في الملاعب، إضافة إلى الآثار البيئية لبعض الفعاليات الكبرى.
ولمواجهة هذه التحديات، ينبغي تعزيز الشراكة بين الحكومات والأمم المتحدة والاتحادات الرياضية والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص، وتطوير برامج قابلة للقياس والتقييم، وتوسيع فرص ممارسة الرياضة للجميع، مع الالتزام بمبادئ النزاهة والحوكمة والاستدامة.
خلاصة القول، إن اهتمام الأمم المتحدة بالرياضة يعكس إدراكًا متزايدًا لقدرتها على الإسهام في بناء عالم أكثر سلامًا وتضامنًا واستدامة. فالرياضة ليست غاية تنافسية فحسب، بل أداة تنموية وإنسانية يمكن أن تسهم في تحسين حياة الأفراد وتقوية الروابط بين المجتمعات، متى توافرت الإرادة السياسية، والتخطيط الجيد، والموارد اللازمة، والشراكات الفعّالة.