كيف نطالب بالحرية لشعبٍ بأكمله، ولا نحترم حرية امرأة محجبة تجلس أمامنا؟

كاوه عمر

واقعة الصحفية شاهين وهاب والسيد عمر شيخ موس تفتح باب التساؤل عن مفهوم الحرية وحدود احترام الاختلاف في الخطاب السياسي الكردستاني
ليست الديمقراطية شعارات تُرفع في المناسبات السياسية، ولا الحرية مفهوماً انتقائياً نتمسك به حين يتعلق بحقوقنا ونتجاهله عندما يتعلق بحقوق الآخرين. فالاختبار الحقيقي للإيمان بالحرية لا يكمن في الدفاع عن حقوق من يشبهوننا في الأفكار والقناعات، وإنما في احترام حقوق من يختلفون معنا، حتى وإن لم نكن مقتنعين بخياراتهم .أثارت واقعة الحوار الذي دار بين السيد عمر شيخ موس، عضو الهيئة التأسيسية للاتحاد الوطني الكردستاني، والصحفية شاهين وهاب، مراسلة موقع خندان، تساؤلات تستحق التوقف عندها، ليس بسبب ما قيل عن الحجاب فحسب، وإنما لما تكشفه من إشكالية أوسع تتعلق بفهم الحرية وممارستها في الحياة العامة.
فبحسب الحوار الذي نشرته الصحفية ونشر لاحقا على صفحة الشخصية فيس بوك للسيد عمر شيخ الموس، السؤال الموجهة إلى السيد عمر شيخ موس، داخل حرم جامعة السليمانية، بسؤال عن الأوضاع في الأقليم كردستان العراق، غير أن الإجابة جاءت بعيدة عن مضمون السؤال نفسه، إذ طلب منها خلع الحجاب أولاً قبل أن يتحدث إليها. وعندما استفسرت الصحفية عن سبب ذلك، أجابها بأنها امرأة حرة ولا تحتاج إلى الحجاب.
وكان رد الصحفية السيدة شاهين أكثر تعبيراً عن جوهر القضية حين تساءلت عن الفرق بينها وبين امرأة أخرى لا ترتدي غطاء الرأس، مؤكدة أن أسئلتها تتعلق بقضايا المواطنين وليس قطعة القماش المعروفة بالحجاب الذي تضعه على رأسها. ورغم أن السيد عمر أبدى لاحقاً استعداده للإجابة، إلا أن الصحفية فضّلت إنهاء الحوار، موضحة أنها راضية عن اختيارها، وأن حجابها لم يشكل لها مشكلة.
هنا تحديداً تكمن المسألة التي تستحق النقاش، الصحفية اصلا لم تطلب رأياً في لباسها، ولم تكن الحواراً حول الدين أو العلمانية، بل كانت تمارس عملها المهني في توجيه سؤال سياسي ومع ذلك، تحوّل النقاش من أوضاع كردستان المعقدة بعد سنتين على إجراء الانتخابات البرلمانية إلى مظهر المرأة التي طرحت السؤال .
ولعل المفارقة الأبرز أن الحديث عن الحرية جاء في سياق مطالبة المرأة بالتخلي عن خيار شخصي اتخذته لنفسها.
لقد عانت المرأة فيي العالم و تحديدا في العراق عبر مراحل مختلفة، من تدخلات المجتمع والسلطة في تحديد مظهرها وسلوكها. ففي بعض البيئات فُرض عليها الحجاب باسم الدين والتقاليد والمعادن الاجتماعية، وفي بيئات أخرى تعرضت لضغوط لخلعه باسم التحرر والحداثة. ورغم اختلاف المبررات، فإن النتيجة واحدة متى غابت إرادة المرأة وتم مصادرة حقها في الاختيار.
فليس من المنطق أن نرفض فرض الحجاب على المرأة باعتباره تقييداً لحريتها، ثم نقبل الضغط عليها لخلعه باعتباره تعبيراً عن تلك الحرية. إن الموقفين، على اختلاف منطلقاتهما، يلتقيان في نقطة واحدة عندما يتحول قرار المرأة إلى شأن يحدده الرجال والاخرون .
والأصل أن حرية المرأة لا تقاس بما ترتديه، وإنما بقدرتها على اتخاذ قرارها دون إكراه. فالمرأة المحجبة ليست بالضرورة أقل تحرراً أو استقلالاً في التفكير، كما أن غير المحجبة ليست بالضرورة أكثر وعياً أو انفتاحاً،ولا يجوز اختزال شخصية المرأة أو كفاءتها أو قناعاتها السياسية في مظهرها الخارجي .
ومن الناحية الدستورية والقانونية، فإن هذه الواقعة تثير تساؤلات تتصل بالمبادئ التي أقرها الدستور العراقي لعام 2005. فقد نصت المادة (14) على المساواة أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو الدين أو المعتقد أو الرأي، فيما أقر المادة (37/ثانياً) على الدولة حماية الفرد من الإكراه الفكري والسياسي والديني. كما كفلت المادة (38) حرية التعبير عن الرأي، وضمنت المادة (42) حرية الفكر ولعقيدة.
ولا يعني الاستناد إلى هذه النصوص أن كل تصرف يصدر عن شخصية سياسية يشكل بالضرورة مخالفة دستورية تستوجب المساءلة القضائية؛ فذلك يتوقف على طبيعة التصرف وصفة من صدر عنه والظروف القانونية المحيطة به. غير أن هذه النصوص تمثل مرجعية أساسية لتقييم مدى انسجام الممارسة السياسية مع القيم التي يفترض أن يقوم عليها النظام الديمقراطي.
وإذا كان الدستور يحمي حرية المعتقد، فإن احترام هذا المبدأ لا يقتصر على الامتناع عن فرض معتقد معين، بل يمتد، في إطار الثقافة الديمقراطية، إلى احترام حق الآخرين في التعبير عن قناعاتهم، ما دام ذلك لا يتعارض مع القانون وحقوق الغير.
ومن جانب آخر، فإن حرية الصحافة لا تنفصل عن حق الصحفي في أداء عمله دون تمييز بسبب الجنس أو المعتقد أو المظهر الشخصي.الشخص السياسي ليس ملزماً بالإجابة عن كل سؤال يوجه إليه، لكن من حق الرأي العام أن يتساءل عن مبررات ربط الإجابة عن سؤال سياسي بالمظهر الديني للصحفية.
وكان من الممكن للسيد عمر شيخ موس أن يعبر عن موقفه الرافض للحجاب أو ينتقد فرضه على النساء، فهذا يدخل في نطاق حرية الرأي والتعبير. لكن ثمة فارقاً جوهرياً بين انتقاد فكرة أو ممارسة دينية، وبين مطالبة امرأة بتغيير مظهرها قبل الدخول معها في حوار مهني.
وتكتسب الواقعة بعداً إضافياً لكونها حدثت وفق الرواية المنشورة، داخل حرم جامعة السليمانية، وهي مؤسسة أكاديمية يفترض أن تكون مساحة للحوار الحر وتبادل الآراء واحترام التعددية الفكرية. فالجامعة بطبيعتها ورسالتها، ليست مكاناً لفرض القناعات، وإنما فضاء لمناقشتها واختبارها بالحجة والمعرفة.
أما على المستوى السياسي، فإن القضية تطرح سؤالاً يتجاوز أطراف الحادثة إلى طبيعة العلاقة بين الحرية القومية والحريات الفردية.
لقد خاض الشعب الكردي نضالاً طويلاً من أجل حقوقه القومية والسياسية والثقافية، وقدمت أجيال متعاقبة تضحيات كبيرة دفاعاً عن الحرية والكرامة. وكان للمرأة الكردستانية حضور بارز في مختلف مراحل من هذا النضال، سواء في العمل السياسي أو الثقافي أو الإعلامي أو الاجتماعي.
لكن المطالبة بالحقوق القومية لا ينبغي أن تنفصل عن احترام الحقوق الفردية، فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد الاعتراف بحقوق الجماعات، بل تتطلب أيضاً حماية حرية الأفراد داخل تلك الجماعات، ولا سيما عندما تتعارض اختياراتهم مع توجهات القوى السياسية أو الاجتماعية المؤثرة.
وليس المطلوب من السياسي أن يتخلى عن قناعاته الفكرية أو أن يمتنع عن نقد الممارسات الدينية، وإنما أن يميز بين حقه في التعبير عن رأيه وحق الآخرين في تبني خيارات مختلفة.
فالعلمانية في مفهومها القائم على حياد الدولة وحماية حرية الضمير، لا تعني مطالبة المتدينين بالتخلي عن مظاهر معتقداتهم، كما أن احترام الدين لا يعني فرض الالتزام بممارساته على الجميع. والمجتمع الذي يحترم التعددية هو الذي يفسح المجال للمحجبة وغير المحجبة، وللمؤمن وغير المؤمن، للمشاركة في الحياة العامة على قدم المساواة.
ومن الإنصاف أيضاً التأكيد أن السيد عمر شيخ موس أبدى، بحسب نص الحوار، استعداده للإجابة بعد النقاش الأولي، إلا أن ذلك لا يلغي مشروعية التساؤل عن سبب طرح خلع الحجاب شرطاً في بداية الحديث ؟ فالمسألة هنا ليست إصدار حكم على النوايا، وإنما مناقشة سلوك علني من زاوية الحقوق والحريات الشخصية كفلها الدستور .
وربما كان موقف الصحفية شاهين وهاب هو الأكثر تعبيراً عن جوهر القضية؛ إذ لم تطالب الآخرين بتبني خيارها، ولم تعترض على حرية المرأة غير المحجبة، بل تمسكت بحقها في أن تكون كما اختارت لنفسها.
وهذه، في تقديري، هي النقطة التي ينبغي أن ينطلق منها أي نقاش جاد حول حرية المرأة.
فالقضية ليست دفاعاً عن الحجاب بوصفه التزاماً دينياً، ولا اعتراضاً على الفكر العلماني، وإنما دفاع عن مبدأ قانوني وإنساني أوسع، يتمثل في حرية الإنسان في تقرير خياراته الشخصية دون وصاية.
إن احترام المرأة لا يبدأ من الاتفاق معها بشأن ما ترتديه، بل من الاعتراف بحقها في أن تختلف معنا وهي تكون ملك نفسها و قراراتها. والحرية التي نؤمن بها لأنفسنا يجب أن تكون هي ذاتها التي نحترمها للآخرين.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال الديمقراطية في تاريخ النضال السياسي أو في الشعارات المعلنة، وإنما ينبغي أن تنعكس في الممارسات اليومية، وفي طريقة التعامل مع المواطن والصحفي والمرأة وكل من يحمل رأياً أو معتقداً مختلفاً.
فإذا كنا نحن الكورد نطالب العالم باحترام حرية شعبٍ بأكمله، أفلا يجدر بنا أولاً أن نحترم حرية امرأة تجلس أمامنا تضع قطعة قماش على شعرها، لا تطلب أكثر من إجابة عن سؤال يتعلق بمستقبلنا؟

 

—————————————-

اﻟﺳﯾرة اﻟذاﺗﯾﺔ ﻛﺎوه ﻋﻣر خوشناو ھو ﻣﺣﺎم ﻣﺗﺧﺻص ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ،واﻟﻘﺎﻧون اﻟﺟﻧﺎﺋﻲ اﻟدوﻟﻲ، وﺣﻘوق اﻹﻧﺳﺎن. ﯾﺣﻣل درﺟﺔ اﻟﻣﺎﺟﺳﺗﯾر ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧوناﻟﻌﻣﻠﯾﺎت اﻟدوﻟﯾﺔ ﻣن ﻛﻠﯾﺔ اﻟدﻓﺎع اﻟﺳوﯾدﯾﺔ، ودرﺟﺔ اﻟﺑﻛﺎﻟورﯾوس ﻓﻲ اﻟﻘﺎﻧون ﻣنﺟﺎﻣﻌﺔ دل ﻓﺎﻟﻲ دي ﻣﻛﺳﯾﻛو. ﻛﻣﺎ ﺣﺻل ﻋﻠﻰ دﺑﻠوم ﻓﻲ ﻗﺎﻧون ﺣﻘوق اﻹﻧﺳﺎن ﻣناﻟﻣﺣﻛﻣﺔ اﻟﻌﻠﯾﺎ ﻓﻲ اﻟﻣﻛﺳﯾك، ودﺑﻠوم ﺣول دور اﻟﻣﻧظﻣﺎت ﻏﯾر اﻟﺣﻛوﻣﯾﺔ ﻓﻲاﻟﻣﺟﺗﻣﻊ ﻓﻲ إطﺎر أﺟﻧدة اﻷﻣم اﻟﻣﺗﺣدة 2030، ﺑرﻋﺎﯾﺔ اﻟﻣﻔوﺿﯾﺔ اﻟﻌﻠﯾﺎ ﻟﺣﻘوقاﻻﻧﺳﺎن ﻓﻲ اﻟﻣﻛﺳﯾك وﻣﺟﻠس اﻟﺷﯾوخ اﻟﻣﻛﺳﯾﻛﻲ. وﯾﺗﻣﺗﻊ ﺑﺧﺑرة ﻓﻲ اﻟﻌﻣلاﻟﺣﻛوﻣﻲ ورﺻد ﺟراﺋم اﻟﺣرب واﻧﺗﮭﺎﻛﺎت اﻟﻘﺎﻧون اﻟدوﻟﻲ اﻹﻧﺳﺎﻧﻲ ﺑﺷﻛل ﻣﺳﺗﻘل.

 

قد يعجبك ايضا
∧