يخرجون من عنق الزجاجة….. ويطبقون على اعناق العباد

مروج العبيدي…

في بلاد تتضخم فيه احجام الكراسي وتضمر الموائد ..صار الفقير مشروع صبر دائم والمواطن الذي ينتفض غضبا للمطالبة بحقه اصبح متهم ومفرط في المطالب في حياة كتبت عليه بأن لاتكون حياة … بل عقوبة قسرية دائمة.
قد اكون بعيدة كل البعد عن المقالات التي تحمل الطابع السياسي والنقدي الساخر للوضع الراهن، لا لشىء .. سوى لأنني ادركت ان لا حياة لمن تنادي وإن الكلمات مهما صرخت بقوة و صدق ..تضيع في زحام وضجيج المصالح والطغيان… ولم يخطر ببالي يوما بأن امسك قلمي وأنزف الحرف بهذا القدر من الوجع حتى رأيت ما اقتلع الصمت من داخلي لعجوز انهكها العمر و أحنى ظهرها حمل السنين وهي تمسك بيدها المرتجفة كيساً تنتقي فيه حبات من البطاطا بتردد وتضع فيه ما تظنه يسد جوعها وكأنها تعد الأيام المتبقية من عمرها.
ولكنها سرعان ما اخذت تفرغ الكيس بصمت موجع وكأنها تعتذر لجوعها عن عجزها ، بعد ان سمعت بسعر الكيلو ( ١٥٠٠) دينار وبعد أن احصت نقودها في حقيبتها الصغيرة المتهرئة .
مشهد يقابله في الضفّة الأخرى من خرج مِن عنق الزجاجة ليُطبق على أعناق العباد … يتحدّثون عن التقشّف من داخل قصورهم، ويطالبون الجائع بالصبر، فيما تتّسع امتيازاتهم وتضيق موائد الفقراء.
أيُّ وطنٍ هذا الذي تُحصى فيه حبات البطاطا على الفقراء، ولا تُحصى فيه امتيازات المتسلّطين؟ و أي إنجاز يُعلن، فيما عجوز تفاوض جوعها على ثمن لقمة؟
لقد أفرغت تلك العجوز كيسها، لكنها ملأت المشهد بإدانةٍ تعجز عنها ألف خطبة … فالمأساة ليست في كيس بطاطا لم يُشتر، بل في وطنٍ صار فيه أبسط حقٍّ في العيش إدانة ، بينما يواصل المتخمون الحديث عن الإنجازات و هم يعدّون ثرواتهم على اعناق العباد

قد يعجبك ايضا
∧