بين حرب الوجود وحسابات الأمن القومي في الشرق الأوسط

شــــريف علي *

ليست كل الحروب التي تخاض تحت شعار الدفاع عن الوجود حروباً وجودية بالمعنى الحقيقي، كما أن الصراعات التي تبدو في ظاهرها مواجهة بين مشروعين متناقضين قد تخفي في عمقها حسابات تتعلق بالنفوذ والهيمنة وإعادة توزيع القوة. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الصراع الإيراني الإسرائيلي بوصفه نموذجاً مركباً تتداخل فيه المخاوف الأمنية مع الأيديولوجيا، وتختلط فيه الحسابات الاستراتيجية بالمصالح السياسية، بينما تتحول شعوب المنطقة إلى الطرف الأكثر تعرضاً للخسائر.
منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979 بزعامة آية الله الخميني انتقلت العلاقة بين طهران وتل أبيب من التعاون الذي عرفته مراحل سابقة في عهد الشاه إلى عداء سياسي وأيديولوجي متصاعد، فقد جعل النظام الإيراني مواجهة إسرائيل جزءاً من خطابه السياسي ومشروعه الإقليمي، وربطها بالدفاع عن القضية الفلسطينية ومقاومة الهيمنة الأمريكية. وفي المقابل، تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديداً استراتيجياً لوجودها ، بسبب برنامجها النووي، وتطوير قدراتها الصاروخية، ودعمها قوى مسلحة حليفة لها في لبنان والعراق واليمن وسوريا خلال مراحل مختلفة.
غير أن اختزال هذا الصراع في مواجهة بين طرف يدافع عن وجوده وآخر يسعى إلى إنهائه لا يفسر وحده طبيعة المواجهة .
فإسرائيل تسعى إلى منع ظهور قوة إقليمية قادرة على تهديد تفوقها العسكري والأمني، فيما تعمل إيران على توسيع نفوذها الإقليمي وبناء منظومة ردع تجعل استهدافها مكلفاً. وبين هذين الهدفين، أصبح الأمن القومي لكل طرف مرتبطاً بتقليص قدرة الطرف الآخر، الأمر الذي أنتج دائرة متواصلة من التهديدات والضربات والردود المتبادلة.
بالنسبة إلى إسرائيل، لا يمكن فصل المخاوف الأمنية عن التجربة التاريخية والذاكرة الجماعية المرتبطة بالاضطهاد والتهديد الوجودي. لكن تحويل هذه المخاوف إلى مبرر مفتوح لتوسيع العمليات العسكرية أو إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفق المصالح الإسرائيلية يثير سؤالاً جوهرياً: أين تنتهي متطلبات الأمن، وأين تبدأ مشاريع الهيمنة؟
فالدفاع عن الوجود لا يمنح أي دولة حقاً مطلقاً في استخدام القوة ضد الآخرين، ولا يلغي التزاماتها تجاه القانون الدولي وحماية المدنيين. كما أن السعي إلى إزالة التهديدات لا يعني بالضرورة أن كل عملية عسكرية تحقق أمناً دائماً؛ فقد تؤدي القوة المفرطة إلى توسيع دائرة الصراع بدلاً من إنهائها.
أما إيران، فقد جعلت من مواجهة إسرائيل إحدى ركائز شرعية النظام السياسية والإقليمية. وبنت خلال عقود شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة، وقدمت هذا التمدد بوصفه وسيلة للدفاع المتقدم وردع الخصوم بعيداً عن أراضيها بمعنى نقل ارض المعركة الى خارج اراضيها . لكن هذه الاستراتيجية لم تخلُ من تناقضات؛ إذ إن استخدام ساحات عربية لتصفية الحسابات الإقليمية، وتوسيع النفوذ على حساب سيادة الدول، حمّلا مجتمعات عديدة أثماناً أمنية وسياسية واقتصادية باهظة الى جانب خلق عداء مستدام مع شعوب هذه البلدان .
وهنا تظهر المفارقة الأساسية، قد يكون الخوف على الوجود حقيقياً لدى الطرفين، لكن توظيف هذا الخوف سياسياً يمكن أن يحول الصراع من ضرورة دفاعية محدودة إلى مشروع مفتوح لإعادة تشكيل المنطقة. وعندما تصبح الحرب وسيلة لإثبات الشرعية الداخلية أو فرض المكانة الإقليمية، تتراجع فرص التسوية، لأن التهدئة قد تُقدم عندئذ بوصفها تراجعاً أو هزيمة.
ولا تقتصر هذه المفارقة على الصراع الإيراني الإسرائيلي، بل تظهر أيضاً في السياسة التركية تجاه الشعب الكوردي في تركيا والجوار التركي فأنقرة تضع اعتبارات أمنها القومي في صلب مقاربتها للقضية الكوردية، وتستند إلى مخاوفها من اية بلورة متطورة لكيان كوردستاني ولكن بذريعة تهديدات حزب العمال الكوردستاني وارتباطاتها باطراف كوردية داخل دول الجوار ، لتبرير عمليات عسكرية وإجراءات أمنية تتجاوز حدودها. ولا يمكن تجاهل حق تركيا في حماية أمنها ومواطنيها ، لكن الإشكالية تبدأ عندما تضع تركيا المطالب السياسية والحقوقا القومية وخيارات في الإدارة المحلية في خانة تهديدات للامن القومي التركي بمجرد وجودها،.
فالقضية الكوردية ليست ملفاً أمنياً فحسب، بل قضية سياسية تتصل بالهوية والحقوق والتمثيل وضمان المشاركة في إدارة الشؤون العامة. وعندما تتحول المخاوف الأمنية إلى معيار لتحديد حدود الحقوق السياسية لشعب كامل، يصبح الأمن القومي مدخلاً لإدامة الصراع بدلاً من معالجته. ومن هنا، فإن اختبار صدقية أي سياسة أمنية لا يكمن فقط في قدرتها على إضعاف خصوم الدولة، بل أيضاً في قدرتها على التمييز بين التهديد المسلح والمطالبة السياسية المشروعة، وبين حماية السيادة وفرض النفوذ على مجتمعات عابرة للحدود. وهذه المقارنة لا تعني تطابق الحالة التركية مع الصراع الإيراني الإسرائيلي، بل تكشف عن إشكالية إقليمية مشتركة: كيف يمكن للدول أن تحمي أمنها من دون أن تجعل مخاوفها الأمنية مبرراً لتقييد حقوق الآخرين أو إعادة تشكيل واقعهم السياسي بالقوة؟
لا يمكن القول إن هناك مستفيداً واحداً من هذه الحروب، أو إن جميع الأطراف تحقق مكاسب متساوية. فالمصالح تختلف باختلاف المرحلة، وقد يحقق طرف تفوقاً عسكرياً مؤقتا من دون أن يتمكن من تحويله إلى انتصار سياسي مستدام.
تسعى إسرائيل وبالتعاون مع حلفائها، من خلال إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وشبكات أذرعها على غرار ضرباتها الاخيرة لايران وحزب الله في لبنان، إلى تقليص التهديدات المحيطة بها وتوسيع هامش حركتها الاستراتيجية. وقد تمنحها العمليات العسكرية مكاسب تكتيكية، لكنها لا تضمن وحدها إنهاء الخصومة أو إسقاط النظام الإيراني أو بناء بيئة إقليمية أكثر استقراراً. فالتفوق في ميدان القتال لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نظام سياسي مستقر في المنطقة.
وفي المقابل، تستخدم القيادة الإيرانية المواجهة لتأكيد قدرتها على الصمود، وحشد التأييد حول خطاب الدفاع عن الدولة، وتبرير استمرار سياسات الردع والتعبئة. وقد ترى في إطالة أمد الصراع وسيلة لرفع كلفة الحرب على خصومها ودفعهم إلى التفاوض. لكن هذا لا يعني أن المجتمع الإيراني يستفيد من الحرب؛ إذ يتحمل المواطنون نتائج تدهور الاقتصاد، وتراجع فرص التنمية، واتساع المخاطر الأمنية وانهيار البنية التحتية .
أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها أمام معادلة معقدة بين حماية إسرائيل، والحفاظ على مصالحها وقواعدها ونفوذها في المنطقة، وتجنب حرب طويلة تستنزف مواردها وتضر بعلاقاتها مع دول الخليج. وقد تخدم بعض نتائج المواجهة أهدافاً أمريكية أو إسرائيلية في إضعاف قدرات إيران، وتخلق إرتياحا لدى حلفائها في الخليج، لكن اتساع الحرب يهدد أيضاً المصالح الأمريكية، ويزيد الأعباء العسكرية والاقتصادية، ويضعف الثقة بقدرة واشنطن على ضمان استقرار المنطقة.
غير أن هذه المكاسب المحتملة لا تعني أن استمرار الحرب يخدم جميع القوى الكبرى، فالفوضى الإقليمية تحمل مخاطر تتجاوز حدود الشرق الأوسط، من أمن الطاقة إلى التجارة الدولية والاستقرار الاقتصادي العالمي .
إذا كان المستفيدون المحتملون يتنافسون على النفوذ والمكانة، فإن الضحية الأكثر وضوحاً هي المجتمعات التي تجد نفسها داخل ساحات المواجهة أو على أطرافها. فالمواطن الإيراني يدفع ثمن الحرب والعقوبات وتراجع الاقتصاد، والمواطن الإسرائيلي يعيش تحت تهديد الصواريخ والمخاطر الأمنية وتداعيات التعبئة العسكرية، بينما تتحمل شعوب المنطقة أعباء الصراع حتى عندما لا تكون طرفاً مباشراً فيه.
وقد كشفت المواجهة عن مدى هشاشة أمن المنطقة؛ إذ لم تعد آثار الصراع محصورة في حدود إيران وإسرائيل، بل امتدت إلى كوردستان والعراق و دول الخليج والبنية التحتية للطاقة والنقل والممرات البحرية على مستوى العالم . وكلما اتسعت دائرة الاستهداف، ارتفعت كلفة التأمين والتجارة والطاقة، وتزايدت المخاطر على المدنيين والاقتصادات المحلية. وهذا ما يوضح كيف يمكن للمواجهة الثنائية أن تتحول إلى أزمة إقليمية واسعة وحتى دولية.
في هذا المشهد، لا يمكن تجاهل العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهي دول عانت ولا تزال، بدرجات متفاوتة، من تداخل الصراعات الداخلية مع التنافس الإقليمي. فقد تحولت أراضيها في مراحل مختلفة إلى ساحات نفوذ أو اشتباك أو ضغط متبادل، وأصبح قرار الحرب والسلم فيها معرضاً لتأثير قوى تتجاوز مؤسسات الدولة الوطنية. والنتيجة أن سيادة هذه الدول تراجعت، وأن المجتمعات المحلية تحملت أعباء صراعات لا تتحكم في أهدافها أو توقيتها.
وتبرز هنا مسؤولية الأطراف الإقليمية والدولية في منع تحويل الدول الضعيفة إلى ساحات لتصفية الحسابات. فالقضية ليست في إنكار حق الدول في الدفاع عن أمنها، بل في رفض أن يصبح أمن دولة ما مبرراً لتقويض أمن دول أخرى، أو أن تتحول شعارات المقاومة إلى غطاء لتوسيع النفوذ، أو أن تُستخدم المخاوف الوجودية لتبرير حروب مفتوحة لا يملك المدنيون قرار وقفها.
إن جوهر المعضلة الإيرانية الإسرائيلية لا يكمن فقط في حجم الترسانة العسكرية لدى الطرفين، بل في غياب تسوية سياسية تعالج مصادر التهديد المتبادل. فإضعاف القدرات العسكرية قد يغير موازين القوة، لكنه لا ينهي بالضرورة الصراع الأيديولوجي أو التنافس على النفوذ. كما أن الردع قد يؤخر الحرب، لكنه لا يضمن منعها عندما تتراجع الثقة وتُساء قراءة نيات الخصم.
ولا يمكن بناء سلام مستدام على افتراض أن أحد الطرفين يستطيع إزالة الطرف الآخر أو إخضاعه بصورة نهائية. فإيران دولة ذات مجتمع ومصالح وقدرات لا يمكن اختزالها في النظام الحاكم، وإسرائيل دولة ومجتمع لا يمكن اختزال أمنهما في سياسات حكومة بعينها. وأي تصور للمستقبل يتجاهل هذه الحقائق سيظل أسير منطق المواجهة. المطلوب هو الانتقال من إدارة الصراع إلى معالجة أسبابه .
إيرانيا عبر ترتيبات قابلة للتحقق بشأن البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وأمن الملاحة والطاقة، واحترام سيادة الدول، ووقف استهداف المدنيين ودول الجوار, و إسرائيليا معالجة القضية الفلسطينية باعتبارها قضية حقوق وطنية وسياسية لا يمكن تجاوزها أو اختزالها في التنافس الإيراني الإسرائيلي. ولا بد من دور دولي متوازن يربط الالتزامات الأمنية بالقانون الدولي، ويمنع استخدام القوة وسيلة لفرض الوقائع الدائمة.
فالأمن المستدام لا يتحقق بإلغاء مطالب المجتمعات أو إخضاعها، بل ببناء ترتيبات تضمن أمن الدول وحقوق الشعوب في آن واحد.
في المحصلة، تكشف الصراعات في الشرق الاوسط أن الشعارات الكبرى قد تخفي وراءها صراعاً على النفوذ والمكانة، وأن الأطراف التي تتحدث باسم الوجود قد تجد نفسها، في لحظة معينة، منشغلة بحسابات المكاسب والخسائر.
لكن السؤال الأهم ليس من يحقق ضربة عسكرية أكبر، بل من يستطيع تحويل القوة إلى أمن مستدام، ومن يملك الشجاعة السياسية للخروج من دائرة الانتقام المتبادل.
ففي حرب المصالح، قد يربح القادة نقاطاً سياسية، وقد تتغير خرائط النفوذ، وقد تحقق الدول مكاسب مؤقتة. أما في حرب الوجود، بالمعنى الذي يعيشه الناس على الأرض، فإن الخاسر الأكبر هو الإنسان الذي يفقد حياته أو بيته أو وطنه، ويجد مستقبله رهينة قرارات لا يشارك في صنعها.
ولهذا، فإن المعيار الحقيقي لأي انتصار ليس مقدار الدمار الذي يُلحق بالخصم، بل مقدار الأمن والحرية والاستقرار الذي يتحقق للمجتمعات.
وما لم تنتقل المنطقة من منطق إخضاع الخصوم إلى منطق تنظيم المصالح المتعارضة وضمان الحقوق والسيادة، ستبقى الحروب تتغير في عناوينها، بينما تظل الشعوب تدفع الثمن نفسه.

* باحث سياسي.

قد يعجبك ايضا
∧