غيث العبيدي ـ كاتب عراقي مستقل.
▪️ المقدمة:
شهدت بغداد مؤخراً حدثاً دبلوماسياً مزدوج الدلالة. فمن جهة، أستضافت الدورة 52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي بمشاركة 55 دولة و22 وزير خارجية، وتسلمت رئاسة المجلس من تركيا وأعتمدت “إعلان بغداد” الذي تصدرته القضية الفلسطينية وإعادة الإعمار ومكافحة الإرهاب. ومن جهة أخرى، أستثمرت المناسبة لإطلاق مبادرة نوعية أعلن عنها وزير الخارجية فؤاد حسين عقد إجتماع أمني في بغداد يجمع إيران ودول الخليج بصيغة (6+1) أي دول مجلس التعاون الخليجي الست + إيران.
جاءت المبادرة في سياق تداعيات الحرب الأخيرة على أمن الملاحة في الخليج ومضيق هرمز وباب المندب، والبيان العماني-الإيراني المشترك في 25 أيلول 2026، والداعي لمباحثات إقليمية حول الممرات المائية، وجاء في تصريح فؤاد حسين بأن “من واجب دول المنطقة أن تطرح المبادرات كونها أصحاب المصلحة، وبغداد آمنة وتحتضن جميع الدول”.
ونضع في هذه اللحظة السؤال المركزي المهم وهو، هل يمتلك العراق اليوم القدرة على تجاوز دور الوسيط المؤقت، الذي ينشط عند أنقطاع قنوات التواصل الأخرى، إلى دور المشارك في صياغة الترتيبات الأمنية الإقليمية؟
وماهي التناقضات البنيوية التي تعترض هذا التحول، خصوصاً في ظل إستمرار أعتماده على أطراف خارجية في مجالات حيوية عديدة؟
أولاً: التحولات الرئيسية في الدور الوظيفي للعراق.
1️⃣. من الوساطة السرية إلى الهندسة العلنية:
من 2021 إلى 2022 أستضاف العراق 5 جولات حوار سري (سعودي-إيراني) في غرف مغلقة وبلا إعلان. وكانت قيمته أنه مكان محايد جغرافياً.
وفي 2026 أنتقل العراق إلى طرح مبادرة علنية بإسمه وصفته، كرئيس لمنظمة دولية جامعة.
وهذا هو الإنتقال في الأدوار الوظيفية، من الحياد إلى دور صاحب المبادرة.
2️⃣. من الوسيط الجغرافي إلى الضامن السياسي:
سابقاً كانت قيمة العراق أنه البلد الوحيد الذي يحد إيران والسعودية وتركيا وسوريا والكويت والأردن. الآن يحاول تقديم قيمة سياسية جديدة، وهو: أن يكون ضامناً لترتيب أمني دائم. وتصريح فؤاد حسين “بغداد آمنة” هو محاولة لتحويل الأمن الداخلي إلى رأس مال دبلوماسي.
3️⃣. من إدارة الأزمات إلى صناعة القواعد:
الوسيط دائماً هو من يدير الأزمة عند وقوعها، وصانع الترتيبات الأمنية هو الذي يصنع القاعدة التي تمنع وقوع الأزمات، مبادرة (6+1) لا تدعو لوقف إطلاق نار مؤقت، بل لترتيب أمني دائم لمضيق هرمز والخليج وباب المندب. وهذا هو جوهر الإنتقال من التكتيك إلى الإستراتيجية.
ثانياً: تناقضات بنية التحول.:
شروط الوساطة تختلف عن شروط صياغة الترتيبات. والوساطة تحتاج دائماً إلى الحياد، أما الصياغة فتحتاج إلى سيادة وقدرة ذاتية. وهنا تظهر التناقضات:
أ. تناقض السيادة والأمن:
أن صياغة الترتيبات تتطلب أحتكار قرار السلم والحرب. الواقع العراقي يشير إلى تعددية مراكز القرار، والنتيجة أن قدرة بغداد على تقديم ضمانات أمنية ملزمة تظل محدودة.
ب. تناقض الطاقة والإقتصاد:
أن المشارك في الترتيبات يجب أن يملك أدوات حوافز وعقوبات إقتصادية. الواقع العراقي يشير إلى تبعية مزدوجة: تبعية طاقوية عبر إستيراد 30-40% من الكهرباء وتوظيفها كورقة ضغط، وتبعية مالية عبر اقتصاد ريعي 90% وإيرادات نفطية بالدولار محتجزة في بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. النتيجة أن العراق موضوع للضغط في أي ترتيب أمني لا مصدراً له.
ج. تناقض الأداة:
منظمة التعاون الإسلامي، منظمة تضامن سياسي وديني، وليست منظمة أمنية، ولا تملك أسطولاً عسكرياً ولا قوة لحفظ السلام وتفتقر إلى كل آليات الألزام. طرح مبادرة أمنية خالصة في منتدى غير أمني يجعلها إعلان نوايا فقط، ما لم يتم نقلها إلى مجلس التعاون الخليجي أو الأمم المتحدة.
ولهذا أشار فؤاد حسين إلى “التواصل بمساعدة الأمين العام” كأعتراف ضمني منه بأن التنفيذ خارج ارادة المنظمة.
د. تناقض الأستمرارية:
الترتيبات الأمنية تحتاج لسنوات من المتابعة، ومؤسسة دبلوماسية مستقرة، بينما رئاسة العراق للمجلس مدتها سنة واحدة فقط، مع أنقسام داخلي حول تعريف المصلحة الوطنية (هل العراق جزء من محور المقاومة أم المنظومة العربية أم محايد على النمط السويسري؟).
هذا يجعل أي إلتزام خارجي قابلاً للطعن الداخلي بعد أي تغيير حكومي.
▪️ الخاتمة:
العراق اليوم ليس وسيطاً مؤقتاً، لكنه ليس مهندساً إقليمياً بعد. هو في مرحلة وسطى يمكن تسميتها بالوسيط الثقيل، وهو أثقل من مجرد ساعي بريد دبلوماسي، ينشط عند أنقطاع التواصل المباشر بين الرياض وطهران، وواشنطن وطهران، لكنه أخف من أن يكون صانعاً للمعادلة الأمنية الأقليمية.
أستضافة الدورة 52 ومبادرة 6+1 تمثلان أختبار إثبات الثقل العراقي. ونجاحه التكتيكي هو بمثابة التحول من مجرد دعوة، إلى إجتماع (6+1) فعلي على مستوى كبار المسؤولين خلال مدة معينة.
أما نجاحه الاستراتيجي يتطلب الإنتقال الحقيقي إلى صانع الترتيبات الأمنية، عبر إنجاز مهام المسار السيادي الأمني، والمسار السيادي الإقتصادي، والمسار المؤسساتي للدولة العراقية.
بدون ذلك، سيبقى الدور العراقي موسمياً وظرفياً، وتبقى بغداد ساحة للحوار لا طرفاً في صياغة القواعد والترتيبات الأمنية في المنطقة.