الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
حين يُسرق المال العام، وتُباع المواقف، وتُستبدل المبادئ بالمصالح، يصبح الخطر أكبر من مجرد فساد مالي أو إداري؛ لأن أخطر ما يواجه الدول ليس الفاسد وحده، بل المنافق السياسي الذي يتقن ارتداء الأقنعة، والمتلوّن الذي يغيّر مواقفه بحسب اتجاه الرياح وموازين المصالح.
فالفاسد قد يسرق المال، أما المنافق والمتلوّن فيسرقان الحقيقة، ويشوّهان الوعي، ويهدمان الثقة بين الشعب والدولة.
أولاً: النفاق السياسي.. خطر يتجاوز الفساد المالي
إن الفاسد الذي يعتدي على المال العام يرتكب جريمة تستوجب التحقيق والمحاسبة وفق القانون، لكن السياسي المنافق والمتلوّن قد يكون أشد خطراً عندما يستخدم الشعارات الوطنية والدينية لخداع المواطنين، ويتحدث عن الإصلاح وهو يعطّله، ويرفع راية النزاهة وهو يتغاضى عن التجاوزات، ويطالب بالحقوق حين يكون خارج السلطة، ثم يصمت عنها عندما يصبح جزءاً من القرار.
إن المشكلة لا تكمن في تغيير الرأي إذا استند إلى الحجة والمصلحة العامة، بل في تغيير المواقف من أجل المنصب والمكسب الشخصي، وفي ازدواجية المعايير التي تجعل الخطأ جريمة عند الخصوم، ومقبولاً عندما يصدر عن الحلفاء.
وهنا تتجلى خطورة المنافق السياسي؛ لأنه لا يكتفي بإلحاق الضرر بالمؤسسات، بل يسعى إلى إقناع الناس بأن الشعارات بديل عن الإنجاز، وأن الولاء للأشخاص أهم من الولاء للدستور والوطن.
ثانياً: القرآن الكريم يضع الأمانة والعدل فوق المصالح
لم يترك الإسلام مسألة الأمانة والعدل والخيانة دون توجيه واضح، بل جعلها من أسس المسؤولية الأخلاقية والإنسانية.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾
وهذه الآية تؤكد حرمة الاستيلاء على الأموال بالباطل، ومن ذلك الاعتداء على المال العام أو استغلال المنصب لتحقيق مكاسب غير مشروعة، متى تحققت أركان الجريمة وأثبتتها الجهات القضائية المختصة.
وقال سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾
إنها قاعدة عظيمة في الحكم والإدارة: الأمانة واجب، والعدل أساس المسؤولية، والمنصب تكليف وليس امتيازاً يبيح لصاحبه التصرف بحقوق الناس وفق أهوائه ومصالحه.
وقال تعالى في ذمّ التناقض بين القول والعمل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ
وهذه الآيات تضع أمام كل مسؤول وسياسي معياراً واضحاً: لا قيمة لشعار لا يتحول إلى عمل، ولا معنى لوعد لا تسانده إرادة حقيقية للتنفيذ.
ثالثاً: من المنظور القانوني.. لا حصانة للفاسد ولا إعفاء للمنافق من المساءلة السياسية
إن الدستور العراقي والقوانين النافذة يضعان أسساً للمساءلة وحماية المال العام ومكافحة الفساد، ولا يجوز أن تتحول المناصب السياسية إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية.
ويؤكد الدستور العراقي في المادة (14) مبدأ المساواة أمام القانون، كما تنص المادة (27) على حرمة الأموال العامة ووجوب حمايتها من الدولة والأفراد.
وتنص المادة (61/ثانياً) على الدور الرقابي لمجلس النواب، فيما تؤكد المادة (93) اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا، ضمنها الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة والفصل في القضايا الداخلة ضمن اختصاصها.
وبناءً على ذلك، فإن المسؤولية لا تقتصر على مَن تثبت إدانته بجريمة فساد، بل تشمل سياسياً وأخلاقياً كل من يفرّط بواجباته أو يتخلى عن مسؤولياته، وفق طبيعة الفعل والأدلة والقواعد القانونية المنطبقة عليه.
لكن من الضروري التمييز بين الفساد المثبت قانوناً، والنفاق بوصفه سلوكاً سياسياً وأخلاقياً، والخلاف المشروع في الرأي والموقف. فلا يجوز اتهام شخص بجريمة دون دليل، ولا يجوز اتخاذ الاختلاف السياسي وحده دليلاً على الفساد أو الخيانة.
إن دولة القانون لا تعاقب الناس بالشائعات، ولا تحمي أصحاب النفوذ من المساءلة؛ بل تعتمد الأدلة والتحقيق المستقل والمحاكمة العادلة.
رابعاً: الحكومة والبرلمان أمام اختبار الأمانة
إن المواطن العراقي لا يحتاج إلى مزيد من الخطب الرنانة والوعود الانتخابية بقدر حاجته إلى خدمات حقيقية، وفرص عمل، ورواتب تصان، ومال عام يُنفق في مكانه الصحيح، ومؤسسات تحترم القانون.
فما قيمة الخطاب السياسي إذا بقيت الخدمات متعثرة؟ وما جدوى الحديث عن النزاهة إذا لم تُكشف ملفات الفساد وتُحال الأدلة إلى الجهات المختصة؟ وما معنى الرقابة البرلمانية إذا تحولت إلى مواقف انتقائية تحكمها التحالفات والمصالح؟
إن واجب الحكومة تنفيذ القانون وخدمة المواطنين، وواجب البرلمان ممارسة الرقابة والتشريع ومساءلة السلطة التنفيذية، وواجب القضاء الفصل باستقلال وحياد.
وأي إخلال بهذه الواجبات يجب أن يواجه بالوسائل الدستورية والقانونية المتاحة.
أما الصمت عن التجاوزات، أو الدفاع عن الخطأ لمجرد أن مرتكبه ينتمي إلى الحزب أو الكتلة نفسها، فهو يضعف المؤسسات ويعمّق فقدان الثقة بالدولة.
خامساً: لا نريد قطع الألسنة.. بل نريد إسكات الأكاذيب بالحقيقة
إن مواجهة النفاق السياسي لا تكون بالعنف ولا بالانتقام، وإنما بكشف التناقضات بالأدلة، ومحاسبة المقصّرين، وحرية الصحافة، وشفافية المعلومات، وتفعيل الرقابة الشعبية والقانونية.
فمن حق المواطن أن يسأل المسؤول: ماذا وعدت؟ وماذا أنجزت؟ وأين ذهبت الأموال؟ ولماذا لم تُنفّذ القرارات؟ ومن حق الصحافة أن تبحث وتكشف، ومن حق القضاء أن يحقق ويفصل بعيداً عن الضغوط.
إن الكلمة الحرة التي تستند إلى الحقيقة أقوى من التهديد، والوثيقة أقوى من الدعاية، والقانون أقوى من المحسوبية.
وليس كل من اختلف مع السلطة منافقاً، وليس كل من غيّر رأيه فاسداً؛ إنما العبرة بالأفعال والوقائع والأدلة، وبمدى احترام المسؤول للأمانة العامة وحقوق المواطنين.
الخاتمة: العراق أكبر من الأحزاب والمناصب
إن أخطر ما يصيب الحياة السياسية هو أن يصبح التلوّن فضيلة، وأن يُكافأ الصمت عن الخطأ، وأن تتحول المبادئ إلى شعارات موسمية تُرفع عند الحاجة وتُنسى عند اقتسام المناصب.
الفاسد يعتدي على المال العام، أما المنافق السياسي فيستطيع أن يبرر الفساد، ويضلل الرأي العام، ويمنع الإصلاح، ويمنح التجاوزات غطاءً سياسياً. ومن هنا تأتي خطورة النفاق حين يتحول إلى أداة لحماية الفساد وإدامته.
نريد حكومة تخدم الشعب، وبرلماناً يمارس دوره الرقابي بجدية، وقضاءً مستقلاً، وإعلاماً حراً، ومسؤولين يضعون مصلحة العراق فوق المصالح الحزبية والشخصية.
ونريد من كل سياسي أن يدرك أن المنصب مؤقت، وأن الأمانة مسؤولية، وأن التاريخ لا يُكتب بالشعارات وحدها، بل بما يتركه المسؤول من أثر في حياة الناس.
كفى ازدواجية في المعايير، وكفى وعوداً بلا تنفيذ، وكفى دفاعاً عن الأخطاء لأن مرتكبيها من الحلفاء. فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الأقنعة، بل إلى رجال ونساء يلتزمون بالحقيقة، ويحترمون الدستور، ويخضعون للمساءلة.
إن الوطن لا يُبنى بالمنافقين والمتلوّنين، ولا يُحمى بالصمت عن الفساد؛ بل يُبنى بالأمانة والعدل وسيادة القانون.