د.خليل مصطفى عثمان
شهدت الحقبة التأسيسية للجمهورية التركية الممتدة بين عامي 1923 و1938م، وهي الفترة المعنونة بقيادة مصطفى كمال أتاتورك ومعه عصمت إينونو، تجربة برلمانية وتاريخية معقدة جرى خلالها صياغة أركان الدولة الحديثة على أثر أنقاض الإمبراطورية العثمانية. عبر خمس دورات برلمانية متتالية للمجلس الوطني التركي الكبير، انطلقت حركة تشريعية وراديكالية متسارعة لم تقتصر على إعادة تنظيم السلطات والهياكل الإدارية، بل امتدت لتشمل هندسة مجتمعية وثقافية واقتصادية شاملة، ألقت بظلالها الثقيلة والمباشرة على الحياة السياسية العامة وعلى وجه الخصوص في المحافظات الشرقية وجنوب الشرقية(كوردستان).
تأسست الشرعية القانونية للدولة الجديدة عبر تحولات دستورية متلاحقة، بدأت بتعديل دستور 1921 لإعلان الجمهورية في 29 أكتوبر 1923، ثم إلغاء الخلافة العثمانية بنص القانون رقم 431 في مارس 1924، وصولاً إلى إقرار دستور 1924 الشامل. وتوازت هذه الخطوات مع قطيعة قانونية وثقافية مع الموروث التشريعي القديم، تجلت في استبدال المجلة العدلية بالقانون المدني التركي لعام 1926 المقتبس عن التشريع السويسري، والذي أحدث تحولاً اجتماعياً بفرضه المساواة القانونية للمرأة وإلغاء تعدد الزوجات والاعتراف بالزواج المدني فقط، ليتوج هذا المسار بسبق سياسي تاريخي عام 1934 منح المرأة حق التصويت والترشح للانتخابات البرلمانية، وهو ما أثمر عن دخول أول 18 امرأة لقبة البرلمان في انتخابات عام 1935.
وفيما يتعلق بالسياسات البرلمانية والتشريعية الموجهة نحو المكون الكوردي والمحافظات الشرقية(كوردستان) خلال هذه الفترة، فقد انتقل البرلمان التركي من أدبيات “التضامن الإسلامي الشامل” التي سادت في برلمان حرب الاستقلال الأول (1920-1923)، إلى تبني نهج صارم يقوم على صهر كافة المكونات الإثنية في قالب الهوية القومية التركية الموحدة. وتجلى ذلك في صدور حزمة من التشريعات والقوانين الاستثنائية التي هدفت إلى تفكيك البنية الاجتماعية التقليدية القائمة على العشيرة والإقطاع والروابط الدينية؛ حيث أقر البرلمان “قانون تقرير الهدوء” عام 1925 لتغطية الإجراءات الأمنية والمحاكمات الميدانية الاستثنائية عقب ثورة الشيخ سعيد پیران، كما اعتمدت الحكومة خطة “إصلاح الشرق” لفرض استخدام اللغة التركية حصرياً في المعاملات الرسمية والمدارس وإلغاء الرتب العشائرية وتعيين الموظفين والقضاة من خارج المنطقة. وتوجت التشريعات الديموغرافية والاجتماعية بإقرار “قانون التوطين وإعادة الإسكان رقم 2510” عام 1934، الذي قسم البلاد إلى ثلاث مناطق سكنية وأتاح نقل أعداد من العائلات والوجهاء وتشتيتهم في الولايات الغربية لدمجهم اجتماعياً، يليه “قانون إدارة ولاية تونجلي رقم 2884” عام 1935 الذي منح الحاكم العسكري صلاحيات واسعة أمنياً وإدارياً وقضائياً في منطقة ديرسيم، لتشكل هذه القوانين الأداة التشريعية الأساسية لبسط سلطة الدولة المركزية وتعميم نظام المواطنة الحديثة في الأقاليم الشرقية(كوردستان).
في غضون ذلك، شغل التعليم موقعاً محورياً كأداة رئيسية لبناء المواطنة الموحدة القسرية ونشر الهوية القومية التركية وتحديث الأرياف وفق اسس النظام الغربي. فقد أرسى قانون توحيد التعليم لعام 1924 مظلة حصرية لوزارة التربية التركية، جرى بموجبها إغلاق الكتاتيب والمدارس الدينية التقليدية، وتحويل المناهج نحو العلوم العصرية والتعليم المجاني والإلزامي. وتدعم هذا التوجه بتقرير الفيلسوف التربوي الأمريكي جون ديوي عقب زيارته الاستكشافية صيف عام 1924، حيث أوصى بربط التعليم بالبيئة المحلية والأعمال التطبيقية وتأهيل المعلمين ليكونوا قادة اجتماعيين في قراهم، وهي الفلسفة التي تجسدت لاحقاً في تأسيس معهد غازي للمعلمين عام 1926 وتدشين معاهد القرى وتوسيع المدارس الإقليمية الداخلية. واكتملت هذه الخطوات بالتحول اللغوي الشامل عام 1928 عبر “انقلاب الحروف” واعتماد الأبجدية اللاتينية بدلاً من العربية، وتأسيس المدارس الشعبية لمحو أمية البالغين، يرافقها حظر واستبدال الألقاب العشائرية والدينية وتغيير الأسماء الجغرافية المحلية بموجب قوانين الألقاب لعام 1934.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، أظهر البرلمان كفاءة في تصفية الملفات المعلقة وتأمين حدود الدولة إبان ظروف دولية قاسية سبقت الحرب العالمية الثانية. فتوجت الدبلوماسية التركية جهودها بالمصادقة على اتفاقية مونترو عام 1936 التي أعادت السيادة الكاملة وحق التسليح التركي على المضايق البحرية، وحلف “ميثاق سعد آباد” عام 1937 لتأمين الحدود مع إيران والعراق وأفغانستان، إلى جانب إدارة ملف لواء إسكندرونة الذي انتهى بإصدار البرلمان للقانون رقم 3711 عام 1939 لضم ولاية هاتاي رسمياً إلى الدولة التركية.
في المقابل، واجهت هذه الحركة تحديات أمنية وسياسية في المحافظات الشرقية إثر اندلاع عدة ثورات وانتفاضات محليّة كثورة الشيخ سعيد پیران عام 1925 و أگري داغ وأحداث ديرسيم بين عامي 1937 و1938.
صاغت الحكومة والبرلمان استجابة تشريعية صارمة بدأت بقانون “تقرير الهدوء” لعام 1925 وتفعيل محاكم الاستقلال الميدانية، وتطبيق خطة “إصلاح الشرق” السرية التي فرضت حصر استخدام اللغة التركية وإسناد الوظائف الإدارية والقضائية لكوادر قادمة من الغرب. كما صدر قانون التوطين وإعادة الإسكان رقم 2510 لعام 1934 وقسم البلاد إلى مناطق ديموغرافية لنقل أعداد من العائلات والعشائر وتفكيك البنية القبيلية وتوزيعهم في الولايات الغربية، وصولاً إلى إصدار قانون ولاية تونجلي رقم 2884 لعام 1935 الذي أسس لإدارة عسكرية ومدنية استثنائية في منطقة ديرسيم.
أما على مستوى البنية الاقتصادية والتجارية في كوردستان، فقد هدفت التشريعات إلى تصفية النظام الرعوي التقليدي وإخضاع الحركة التجارية للرقابة المركزية. وسنت الدولة قوانين حازمة لمكافحة التهريب وتأطير التجارة الحدودية مع سوريا والعراق، وفرضت الرقابة على حركة المراعي والماشية، واحتكرت تجارة السلع الاستراتيجية كالتدخين والملح عبر مؤسسة “تيكل”. وترافق ذلك مع دمج اقتصاد المحافظات الشرقية(كوردستان) بالشرايين القومية عبر تخصيص اعتمادات ضخمة لمد شبكات سكك الحديد وتأسيس فروع لبنك الزراعة وسومر بنك لتوفير التمويل الحكومي المباشر، لا سيما مع اعتماد سياسة التدخلية الاقتصادية والخطة الخمسية الأولى للتصنيع لمواجهة تداعيات أزمة الكساد الكبير العالمية.
إن قراءة التجربة البرلمانية التركية بين عامي 1923 و1938 تظهر قطبين متقابلين في التقييم التاريخي؛ فمن جانب، نجح البرلمان في وضع الأسس البنيوية لدولة مدنية معاصرة، ومحو الأمية، وتمكين المرأة، وبسط سيادة القانون والتنمية الاقتصادية والمؤسسية. ومن جانب آخر، اتسمت الحقبة بالتداخل التام بين الحزب والدولة، لا سيما بعد التعديل الدستوري لعام 1937 الذي أدرج المبادئ الحزبية الكمالية الستة في صلب الدستور، وغياب التعددية السياسية وحظر تجارب المعارضة، والاعتماد على التشريعات الاستثنائية والهندسة الاجتماعية الفوقية، و انتهاك حقوق القومية للمكون الكوردي داخل تركيا، لتظل هذه الحقبة بثرائها وإشكاليّاتها المحطة الأبرز التي تشكّل منها وجه تركيا الحديثة.