أجرى الحوار: شريف هاشم – بغداد
ثورة طبية تمنح المرضى أملاً بتعافٍ أسرع وألم أقل
لسنوات طويلة، ارتبطت جراحة القلب في أذهان الناس بصورة العملية الجراحية الكبيرة، التي تتطلب فتح الصدر من المنتصف وشق عظم القص للوصول إلى القلب، وما يرافق ذلك من ألم وفترة تعافٍ قد تمتد لأسابيع أو أشهر، عن هذا الموضوع حدثنا المدرس الدكتور سيف سامي المظفر – عضو الهيئة التدريسية في فرع الجراحة في كلية الطب / الجامعة المستنصرية – استشاري جراحة القلب، وكان سؤالنا الأول:
* ما هو التطور العلمي والتكنولوجي في جراحة القلب؟
– التطور العلمي والتكنولوجي في جراحة القلب أتاح اليوم إمكانية إجراء العمليات المعقدة من خلال فتحات جراحية صغيرة في الصدر، دون الحاجة إلى شق عظم القص بالكامل، وهو ما يُعرف باسم جراحة القلب بالتداخل الطفيف (Minimally Invasive Cardiac Surgery).
* ماذا يمثل هذا التطور؟
– يمثل هذا التطور تحولاً مهماً في مفهوم الجراحة الحديثة؛ فلم يعد النجاح الجراحي يُقاس فقط بقدرة الطبيب على إصلاح المشكلة القلبية، بل أصبح يشمل أيضاً تقليل الضرر الذي تسببه العملية للأنسجة، وتخفيف الألم، وتسريع عودة المريض إلى حياته الطبيعية.
* ما المقصود بجراحة القلب بالتداخل الطفيف؟
– هي مجموعة من التقنيات الجراحية التي تسمح للجراح بالوصول إلى القلب عبر شقوق صغيرة نسبياً، غالباً بين الأضلاع أو من خلال فتحات محدودة في جدار الصدر، باستخدام أدوات جراحية دقيقة وكاميرات وتقنيات تصوير متطورة، فبدلاً من الشق الجراحي التقليدي في منتصف الصدر، يمكن في بعض العمليات الوصول إلى القلب من الجانب الأيمن أو الأيسر للصدر، وأحياناً من منطقة قريبة من الإبط، بحسب نوع المرض وطبيعة العملية.
* هل العملية بسيطة وخالية من المخاطر؟
– من المهم توضيح أن التداخل الطفيف لا يعني أن العملية بسيطة أو خالية من المخاطر، بل يعني أن الوصول إلى القلب يتم بطريقة تقلل الأذى الجراحي مع المحافظة على الهدف الأساسي، وهو إجراء عملية آمنة وفعالة، كما أن بعض هذه العمليات ما زالت تحتاج إلى استخدام جهاز القلب والرئة الاصطناعي، تماماً كما يحدث في جراحة القلب التقليدية.
* ما أمراض القلب التي يمكن علاجها بهذه الطريقة؟
– شهدت تقنيات التداخل الطفيف توسعاً ملحوظاً، وأصبح بالإمكان استخدامها في عدد من أمراض القلب، من أهمها أمراض الصمام التاجي (الميترالي)، فيمكن إصلاح الصمام التاجي أو استبداله في حالات التضيق أو الارتجاع الشديد، وذلك من خلال فتحة صغيرة في الجانب الأيمن للصدر، دون الحاجة إلى شق عظم القص بالكامل، وتُعد جراحة الصمام التاجي من أبرز المجالات التي شهدت تطوراً في استخدام التداخل الطفيف.

* وما هي أمراض القلب الأخرى ؟
– أمراض الصمام الأبهري يمكن استبدال الصمام الأبهري لدى مرضى مختارين من خلال شق جراحي محدود في أعلى الصدر أو من خلال فتحة جانبية مناسبة، بحسب التشريح ونوع العملية، وهناك بعض التشوهات القلبية الولادية، مثل وجود فتحة بين الأذينين (ASD)، إذ يمكن إغلاقها جراحياً باستخدام تقنيات التداخل الطفيف عندما تكون الجراحة مطلوبة ولا يكون الإغلاق بالقسطرة مناسباً.
* هل عمليات الشرايين التاجية من ضمن التداخل الطفيف؟
– يمكن إجراء عمليات الشرايين التاجية لدى مرضى مختارين من خلال شق صغير في الجانب الأيسر للصدر، خصوصاً عند علاج بعض حالات تضيق الشريان الأمامي النازل، اضافة الى بعض أورام القلب وأمراض الصمام ثلاثي الشرفات، فيمكن كذلك استئصال بعض الأورام القلبية الحميدة وإجراء عمليات مختارة للصمام ثلاثي الشرفات بهذه التقنيات.
* ما الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها المريض؟
– تقدم جراحة القلب بالتداخل الطفيف عدداً من المزايا المحتملة مقارنة بالجراحة التقليدية، عندما تُجرى للمريض المناسب وعلى أيدي فريق جراحي متمرس.
– ما هي أبرز مميزاتها؟
– ألم أقل بعد العملية، حيث إن تجنب شق عظم القص بالكامل قد يقلل الألم المرتبط بالجرح الجراحي، ويساعد المريض على الحركة والتنفس بصورة أكثر راحة خلال مرحلة التعافي، وتقليل النزف والحاجة إلى نقل الدم، وإقامة أقصر في المستشفى، فيمكن لبعض المرضى مغادرة المستشفى خلال فترة أقصر مقارنة بالجراحة التقليدية، اعتماداً على نوع العملية والحالة الصحية وغياب المضاعفات.
* ماذا تساعد هذه المزايا؟
– العودة المبكرة إلى النشاط اليومي ، حيث يساعد تجنب الشق الكامل لعظم القص على تقليل بعض القيود المرتبطة بالتئام العظم ، مما قد يتيح للمريض استعادة نشاطه المعتاد بصورة أسرع ، وفقاً لتوجيهات الفريق الطبي ، وان جرح أصغر ونتيجة تجميلية أفضل تترك هذه العمليات عادة ندبات أصغر وأقل وضوحاً، وقد يكون ذلك مهماً لبعض المرضى ، خصوصاً صغار السن ، اضافة الى تجنب بعض مضاعفات عظم القص ، فعندما لا يُشق عظم القص ، يمكن تجنب المضاعفات الخاصة بهذا الشق ، مثل عدم التحام العظم أو التهابات جرح القص العميقة ، ومع ذلك، فإن هذه المزايا ليست مضمونة لكل مريض ، وقد تختلف النتائج بحسب طبيعة المرض وخبرة المركز الجراحي.
* كيف يستطيع الجراح إجراء عملية دقيقة من خلال فتحة صغيرة؟
– قد يتساءل البعض كيف يمكن للجراح إصلاح صمام داخل القلب من خلال فتحة لا تتجاوز بضع سنتيمترات؟ فتكمن الإجابة في التكامل بين الخبرة الجراحية والتكنولوجيا الحديثة ، فالجراح يستخدم أدوات طويلة ودقيقة صُممت للعمل داخل المساحات المحدودة ، مع الاستعانة بكاميرات جراحية وأنظمة إضاءة وتصوير عالية الوضوح ، كما يؤدي جهاز الإيكو عبر المريء دوراً أساسياً في كثير من هذه العمليات ، إذ يسمح بمراقبة القلب والصمامات أثناء الجراحة ، وتوجيه بعض الأدوات والقساطر ، والتأكد من نجاح إصلاح الصمام أو استبداله قبل انتهاء العملية ، وفي العمليات التي تتطلب جهاز القلب والرئة الاصطناعي ، يمكن استخدام الأوعية الدموية في منطقة أعلى الفخذ لتوصيل المريض بالجهاز ، بدلاً من استخدام التوصيلات التقليدية داخل الصدر ، وتحتاج هذه الخطوات إلى تقييم دقيق للأوعية الدموية ومراقبة مستمرة لضمان سلامة الدورة الدموية.
* هل تصلح هذه الجراحة لجميع مرضى القلب؟
– الجواب لا ، فعلى الرغم من المزايا العديدة لهذه التقنية ، فإنها ليست الخيار الأفضل لجميع المرضى ، فهناك حالات قد تجعل الجراحة التقليدية أكثر أماناً، مثل وجود تكلسات شديدة في الشريان الأبهر ، أو أمراض متقدمة في الأوعية الدموية ، أو تشوهات تشريحية تعيق الوصول الآمن إلى القلب ، أو الحاجة إلى عمليات قلبية متعددة ومعقدة ، ولهذا السبب ، يخضع المريض قبل العملية لتقييم شامل قد يتضمن فحص الإيكو ، والتصوير المقطعي ، وتقييم الشرايين والأوعية الدموية ، إضافة إلى دراسة الحالة الصحية العامة ، ويحدد الفريق الجراحي الطريقة الأنسب بناءً على سلامة المريض أولاً ، وليس على حجم الجرح الجراحي فقط.
* هل جراحة القلب بالتداخل الطفيف أكثر أماناً من الجراحة التقليدية؟
– هذا سؤال مهم يتكرر بين المرضى وعائلاتهم ، وتشير الخبرة الجراحية والدراسات الطبية إلى أن جراحة القلب بالتداخل الطفيف يمكن أن تحقق نتائج جيدة ومقارنة بالجراحة التقليدية لدى المرضى الذين يتم اختيارهم بصورة صحيحة ، خصوصاً في المراكز التي تمتلك الخبرة والتجهيزات اللازمة ، لكن لا يمكن القول إنها أكثر أماناً في جميع الحالات ، كما أنها لا تلغي احتمال حدوث مضاعفات مثل النزف أو اضطرابات نظم القلب أو السكتة الدماغية أو مضاعفات الأوعية الدموية ، وقد تستدعي بعض الحالات التحول أثناء العملية إلى الشق الجراحي التقليدي إذا كان ذلك ضرورياً للمحافظة على سلامة المريض ، فالعملية الأفضل ليست بالضرورة صاحبة الجرح الأصغر ، بل هي العملية التي تحقق أفضل نتيجة علاجية بأقل خطر ممكن.
* هل تتوفر هذه العمليات في العراق؟
– شهدت جراحة القلب في العراق تطوراً في الخبرات الجراحية والتقنيات المستخدمة ، وأصبح التوجه نحو إدخال وتطوير عمليات القلب بالتداخل الطفيف خطوة مهمة لمواكبة التقدم العالمي في هذا المجال ، وتتطلب هذه العمليات أكثر من مجرد توفير الأدوات الحديثة ؛ فهي تحتاج إلى فريق متكامل يضم جراحي القلب وأطباء التخدير واختصاصيي الإيكو وفنيي جهاز القلب والرئة الاصطناعي وكوادر التمريض والعناية المركزة ، كما أن التدريب المستمر واكتساب الخبرة من المراكز العالمية يمثلان أساساً مهماً لبناء برامج جراحية ناجحة وآمنة ، وإن تطوير هذه الخدمات داخل العراق يمكن أن يساهم في توسيع الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى وتقليل الحاجة إلى السفر خارج البلاد في الحالات التي يمكن علاجها محلياً.
* كيف يبدو مستقبل جراحة القلب؟
– يتجه مستقبل جراحة القلب نحو عمليات أكثر دقة وأقل إضراراً بالأنسجة، مع تطور الكاميرات الجراحية والتصوير ثلاثي الأبعاد والأدوات المتخصصة والأنظمة الروبوتية، وقد يساهم الذكاء الاصطناعي مستقبلاً في تحسين التخطيط الجراحي، وتحليل صور القلب، والمساعدة في اختيار الطريقة العلاجية المناسبة لكل مريض.
* رسالة أخيرة إلى المرضى وعائلاتهم؟
– مهما تطورت الأجهزة والتكنولوجيا ، فإن الخبرة البشرية والحكم الجراحي السليم سيبقيان العنصر الأهم في نجاح العملية ، وإذا كنت تعاني من أحد أمراض صمامات القلب أو تحتاج إلى عملية جراحية ، فمن حقك أن تسأل طبيبك عن الخيارات الجراحية المتاحة ، ومنها إمكانية إجراء العملية بالتداخل الطفيف ، لكن من الضروري عدم اختيار العملية اعتماداً على حجم الجرح أو الناحية التجميلية وحدهما ، حيث إن اختيار الطريقة المناسبة يعتمد على طبيعة مرض القلب ، والحالة الصحية للمريض ، والفحوصات التشخيصية ، وخبرة الفريق الجراحي ، وإن الهدف من التطور في جراحة القلب ليس مجرد إجراء عمليات من فتحات أصغر ، وإنما تقديم علاج أكثر دقة وأماناً ، وتقليل معاناة المريض ، ومساعدته على العودة إلى أسرته وحياته الطبيعية بأفضل صحة ممكنة. وهذه هي الرسالة الحقيقية لجراحة القلب الحديثة
جرح أصغر عندما يكون ذلك آمناً… وعلاج فعّال للقلب… وتعافٍ أفضل للمريض
– شكراً جزيلاً دكتور على هذه المعلومات القيمة.