حوار: عطا درغام
بين خشوع التكايا الصوفية في قلب البلقان ونبرة الشجن الحارة المنبعثة من رمال جزيرة العرب، تتدفق قصيدة الشاعرة والفنانة التشكيلية كيميتا شوشو (Kimeta Šošo) لتصنع صوتاً إبداعياً نادراً العزف في المشهد الأدبي المعاصر. هي المبدعة التي يمتزج في عروقها موروث “اليمن” السعيد بجغرافيته وقاموسه الوجداني، بجمال الطبيعة البوسنية الهادئة في “سراييفو”، لتصهر هذا التمازج الفريد في نصوصٍ تحاور الكون، وتكشف تقلبات الروح الإنسانية بين لوعة الفقد وعنفوان الكبرياء.
في هذا اللقاء المعمق والموزع، نقتفي خطى شوشو في تشريح نصوصها البارزة مثل “اليقظة”، “خائفة”، و”فتات”؛ لنبحر معها في فلسفة “السيفداه” وجدلية الترجمة إلى لغة الضاد، ونستشرف واقع الأدب البوسني الحديث والتحديات التي تفرضها ثقافة الاستهلاك الرقمي. نقترب من مرآة روحها لنكتشف كيف تتكامل اللوحة التشكيلية مع الموسيقى الداخلية للقصيدة، وما هي الرسالة التي تحملها الشاعرة لتعود بها إلى منابع جذورها الأولى.
المحور الأول: تمازج الجذور (الهوية اليمنية والروح البوسنية)
* تجمعين في دمك وإرثك الثقافي بين جزيرة العرب (اليمن) وقلب البلقان (البوسنة)؛ كيف يتجلى هذا التمازج في قصائدك؟ وهل ترين أن جذورك اليمنية هي التي تمنح نصوصك البوسنية هذه النبرة الوجدانية الحارة؟
– هذا التراث متأصل في جيناتي الثقافية والروحية، سواءً كانت اليمنية أو البوسنية؛ فأنا شديدة التعلق بالشعوب عبر مختلف القارات. لقد اندمجت هذه الجذور في داخلي لتشكل كياني الحالي؛ ربيعٌ عميق المشاعر يحمل رسائل غامضة وعميقة إلى العالم.
* اليمن أرض الشعر والعروبة، والبوسنة أرض الشجن والجمال؛ أيّ المدينتين تسكنان تفاصيل نصوصك عندما تكتبين عن الاغتراب: صنعاء أم سراييفو؟
– أحب سراييفو والبوسنة بشوق عارم لما تحمله من ثروة ثقافية وطبيعية هائلة، وبنفس القدر أهوى اليمن وتعز وصنعاء. عندما أتأمل تلك القلاع والتضاريس، أشعر وكأنني أطير بين النجوم! إنه اتصال روحي داخلي يستيقظ ويتحرك في عروقي كتدفق الحمم البركانية، بينما تقفز الكلمات والرسائل متتالية على الورق.
* في قصيدة “اليقظة” تحضر مفردات حميمية جداً مثل “بيتي” و”التكية الصوفية” (Tekija) في موطنك؛ هل هذه الملامح تعبر عن استقرار الهوية البوسنية في وعيك، أم أنها تتداخل مع مفهوم “البيت والملاذ الأول” في الموروث العربي؟
– إنها اليقظة من النوم، يقظة الجذور العربية العميقة المتشابكة مع الروح البوسنية. “الوطن” بالنسبة لي هو ذلك المكان الذي أجد فيه نفسي وحيدة وصادقة. لقد تركت الحرب في البوسنة آثاراً مؤلمة وعميقة في حياتي وروحي، ولا تزال ذكريات البقاء في الأسر لمدة 17 شهراً على يد قوات العدوان طازجة في ذاكرتي لا تندمل؛ إنها شرور لا يمكن نسيانها. لكن التكية المسماة “تيكي” تقع في الشارع نفسه الذي كان فيه بيتي وأول مسجد بُني في مدينتي “روجاتيكا”، ومن هنا تتصل مفاهيم البيت، الملاذ، والارتقاء الروحي مع الخالق.
* كيف استقبل المجتمع الأدبي في البوسنة شاعرة تحمل ملامح وإرثاً يمنياً؟ وهل كان هذا الاختلاف مفتاحاً لخصوصية نصك أم شكل تحدياً في بداياتك؟
– استقبلني المجتمع الأدبي في البوسنة بحفاوة وحماس كبيرين؛ فقد أبدوا إعجاباً بالتعبير الخاص والمميز في قصائدي. ورغم الجهل ببعض تفاصيل أصلي، إلا أنني أدركت دائماً أنني مختلفة ومتميزة بصوتي الخاص عن الآخرين.
* هل تفكرين في كتابة نصوص ثنائية اللغة، أو مزج مفردات عربية يمنية مباشرة داخل البنية التعبيرية للنص البوسني مستقبلاً؟
– أكتب نصوصي باللغة البوسنية لأنها أداة التعبير المباشرة لروحي، وعند الحاجة أستعين بمترجم لنقلها إلى اللغات الأخرى لتصل إلى كافة القراء.

المحور الثاني: الجماليات الأسلوبية والبنية الفنية (تشريح النصوص)
* قصيدتك “أنا خائف/خائفة” تعتمد على إيقاع التردد والشد والجذب؛ كيف تصنعين هذه الموسيقى الداخلية القائمة على التكرار دون السقوط في الرتابة اللفظية؟
– في قصيدة “أنا خائفة”، أخوض صراعاً داخلياً مع عاطفة جياشة لم أستطع الإفصاح عنها للشخص الذي أحبه. ومن خلال هذا الحب غير المحقق وغير المتبادل، أشرع في رحلة روحية للبحث عن الخلاص والتسامي.
* توظفين في نصوصك مثل “الانفجار” ثنائية ثائرة هي الفضاء الكوني اللانهائي والجسد الحسي الضيق؛ ما السر وراء هذا الربط المستمر بين تقلبات العاطفة وحركة الكون؟
– قصيدة “الانفجار” تعبر عن ثورة عارمة بدافع الرغبة والعاطفة الصارخة التي تحلق بي نحو الفضاء الكوني الشاسع بحثاً عن هدوء الروح. أنا دائماً في حالة اتصال روحي بين الجسد والنفس، وأمارس هذا التأمل في الطبيعة وكأنني أقف على قمم جبال “رومانيا”.
* تعتمد قفلات نصوصك على الصمت والغياب، ففي نص “آثار” تنتهي الأغنية بكونها “خرساء صامتة”؛ متى يصبح الصمت في قصيدتك أبلغ من الكلام؟
– “آثار” تعكس تجاربي الشخصية القاسية، جنباً إلى جنب مع معانات العالم المحيط بنا. لقد شاركت مع 7 فنانين في معرض وأعمال حول موضوع “الأطفال يدوسون” للتعريف بمعاناة الشعب الفلسطيني في سراييفو ولأغراض خيرية. وبعد كل تلك المعاناة والدموع، يأتي الصمت ليكون هو الأغنية الأبلغ؛ ليغني لروحي اللطيفة كي تهدأ وتنام بسلام.
* تمزجين في قصيدة “في مرآة الروح” بين عناصر الطبيعة الحية وتأمل صوفي عميق؛ كيف تنسلخ الطبيعة البوسنية في شعرك لتصبح جزءاً من تشريح الروح؟
– في “مرآة الروح”، شعرت بفيض روحاني عميق يت تجلى في الاتصال بالنهر والمسار المتجه نحو أعماق الفضاء، حيث تظهر المادة كوسيلة لتطهير الروح ونقائها.
المحور الثالث: العلاقة بالأدب العربي المعاصر والكلاسيكي
* إلى أي مدى تأثرتِ بقراءاتك في الشعر العربي الكلاسيكي أو المعاصر أثناء بناء مشهديتك العاطفية؟
– في أوائل شبابي، كان جلال الدين الرومي هو دليلي المضيء. لكن ظروف الحياة القاسية والتحديات لم تسمح لي بتابعة أحدث ما يُنشر في الشعر العربي المعاصر أو الشعر العالمي بانتظام؛ لذا بدأت ببساطة بالفيض من أسلوبي الخاص والكتابة المباشرة من أعماق الروح.
* يحضر مفهوم “الشوق الصوفي العابر للمادة” في شعرك؛ هل هذا نابع من ممارسة الروحانيات في البيئة البوسنية الإسلامية؟
– الروحانية الممارسة في البيئة الإسلامية البوسنية لا تفرض عليّ نمطاً محتكراً؛ فإيماني يتلخص في أن الحق وكل ما ينبع من الروح النقية البريئة والحسنة النية هو الجوهر الحقيقي للإنسان والشاعر.
* لو أتيحت لكِ الفرصة لتقديم مشروع أدبي مشترك يجمعك بأحد شعراء العالم العربي اليوم؛ ما هي القضية الإنسانية التي تودين طرحها؟
– التعاون مع كاتب أو شاعر عربي بالنسبة لي سيكون مشروعاً إنسانياً وثقافياً يُقام في الفضاء العام، لتجسيد الاهتمامات والرؤى الفنية المشتركة ونصرة القضايا الإنسانية.
* كيف تنظرين إلى حركة الترجمة الحالية بين الأدبين العربي والبوسني؟
– الأدب العربي والكتب العربية تحظى باحترام كبير في البوسنة، وإن كان الضوء المسلط عليها أقل مما كان عليه قبل الحرب. بعد الحرب ظهرت موضوعات جديدة، ونحن نملك أدباء وكتاباً بوسنيين متميزين رغم قلة عددهم.
المحور الرابع: شهادة على مشهد “الأدب البوسني المعاصر”
* استخدمتِ تعبير “السيفداه” (Sevdah) وهو جوهر الشجن والموسيقى البوسنية المنحدر من أصل عربي؛ كيف يحافظ الأدب البوسني على هذا الإرث؟
– “السيفدا” كلمة وأسلوب بوسني أصيل نلجأ إليه عندما نريد استحضار أعمق المشاعر الإنسانية والشجن. وقاموسنا اللغوي غني بالكلمات ذات الأصول التي نقلها العرب والشرق لتصبح عناصر تعبيرية أساسية في ثقافتنا.
* هل يعاني الجيل الجديد من شعراء البوسنة من وطأة التذكير الدائم بآلام الحرب؟
– نعم، الشعراء البوسنيون يعانون كثيراً بسبب آلام الحرب وذاكرتها، وفي أغلب الأحيان تجد أن موضوعاتهم ونصوصهم مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمرارة المعاناة أثناء الحرب وتداعياتها.
* بصفتك فنانة تشكيلية أيضاً؛ كيف تتكامل اللوحة البصرية مع القصيدة المكتوبة لديكِ؟
– كفنانة تشكيلية وشاعرة، أعبر عن نفسي بدقة متناهية؛ أطرح الفكرة سواء على الورق بالريشة والألوان أو بالقلم والحرف في لحظة الخلق والإبداع، حيث تتمازج الرؤية الفنية مع نبض الروح.
* ما هي التحديات الحقيقية التي تواجه الكاتب والمبدع في البوسنة والهرسك اليوم؟
– النشر في البوسنة صعبة جداً؛ سواء لنشر كتاب، أو رواية، أو ديوان شعر، نظراً للأوضاع الاقتصادية السيئة، فضلاً عن أن السياسة العامة لا تولي اهتماماً كافياً لدعم الإبداع الفني والأدبي.
المحور الخامس: الروح الإنسانية وسلطة النص الرقمي
* يواجه الشعر في العصر الرقمي الحديث والذكاء الاصطناعي تحديات وجودية؛ ما الذي تمتلكه شاعرة تحمل هذا المزيج النادر لتبقي كلماتها نابضة بالصدق؟
– قد يتقبل المجتمع الحديث النص الرقمي والتكنولوجيا، لكن قوة الروح البشرية تظل دائماً هي الأقوى والأبقى، ولا يمكن لأي ذكاء اصطناعي أن يزيف الصدق الإنساني النابع من تجربة حية وعميقة.