علي قاسم الكعبي
لطالما كانت الأرض العربية مسرحاً مفتوحاً للصراعات؛ حيث تعمد القوى الكبرى، عبر التاريخ، إلى توسيع نفوذها والبحث عن موارد طبيعية لاستغلالها. لقد تصارعت على هذه البقعة إمبراطوريات شتى، وتبادلت الأدوار في احتلال البلاد العربية، وازدادت هذه الأهمية الاستراتيجية اشتعالاً بعد اكتشاف النفط. ومن رحم هذا الواقع، فرضت “لعنة الجغرافيا” على العرب واقعاً وضعهم بين قوتين إقليميتين، وعليهم أن يدركوا أن الجغرافيا ثابتة لا تتغير بتبدل الأنظمة السياسية أو موازين القوى الدولية؛ فتلك المتغيرات قد تثير زوبعةً عابرة، لكنها تعجز عن تبديل حقائق الأرض.
لذا، يجب أن تعي دولنا العربية أن الجغرافيا التي جعلت إيران جارةً سرمدية لهم، هي ذاتها التي زرعت إسرائيل في جوارهم. ومن هنا يبرز التساؤل: أليس من الغريب -بل من المعيب- أن تتسابق دول عربية للتطبيع مع كيان يدركون أطماعه التوسعية من البحر إلى النهر، واستمراره في قضم الأراضي العربية وإعلان ضمها بوقاحة؟ في المقابل، إن عقد اتفاقات رصينة مع إيران من شأنه أن ينعش اقتصاديات المنطقة ويعزز أمنها الاستراتيجي، لا سيما أن روابط الجغرافيا والدين التي تجمع العرب بجارتهم الشرقية أقوى بكثير من روابطهم بكيان طارئ.
على العرب أن يتحدثوا بواقعية سياسية، وأن يدركوا أن الولايات المتحدة قد فشلت في إخضاع طهران رغم تفوقها العسكري والتكنولوجي؛ نظراً لطبيعة إيران الجغرافية والتضاريسية المعقدة. وبناءً عليه، ينبغي على السعودية ومصر، بوصفهما القوتين العربيتين الأكثر تأثيراً -خاصة في ظل التحركات الدبلوماسية والأمنية الأخيرة المتعلقة بالرد على استهداف الحوثيين للمنشآت النفطية السعودية- أن تدركا أن استمرار الصدام في اليمن لن يثمر إلا نتائج سلبية على استقرار المنطقة، وأن الحلول الدبلوماسية المبنية على الواقعية الجغرافية هي المخرج الوحيد للأزمات الراهنة.
إن هذا التحول نحو الواقعية لم يعد خياراً عربياً داخلياً فحسب، بل بات مدعوماً بمتغيرات دولية؛ حيث تندفع قوى كبرى مثل الصين وروسيا لملء الفراغ الأمريكي عبر رعاية التفاهمات الإقليمية وبناء شراكات قائمة على احترام حقائق الجغرافيا والمصالح المشتركة، مما يؤكد أن الدبلوماسية المرنة هي السلاح الأقوى للعرب في كمين القوتين.