أوربا على صفيح ساخن.. شرارة فرنسا تمتد خارج حدودها.. هل ستحرق القارة العجوز؟

جمعة المالكي

لم تعد شوارع فرنسا وحدها ساحة للاحتجاج ولم تعد أصوات الغاضبين محصورة في حدود دولة أوروبية واحدة ، فمع اتساع المظاهرات الفرنسية ظهرت تحركات احتجاجية في بلجيكا وإيطاليا والبرتغال وسط مؤشرات على تنامي الغضب الاجتماعي في دول أوروبية أخرى.
فهل نحن أمام احتجاجات متفرقة تلتقي في أسبابها أم أمام موجة غضب أوروبية قد تعيد رسم العلاقة بين الشارع والسلطة؟
بدأت الاحتجاجات الفرنسية في منتصف أيلول الماضي بقيادة طلبة المدارس الثانوية الذين خرجوا للاعتراض على تردي المؤسسات التعليمية واكتظاظ الصفوف ونقص المدرسين ، لكن المطالب لم تبق محصورةً في قطاع التعليم بل اتسعت لتلامس قضايا المعيشة وارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات العامة والتفاوت الاجتماعي.
وفي السابع عشر من تشرين الأول شهدت فرنسا تظاهرات واسعة شارك فيها مئات الآلاف وفق تقديرات متباينة للسلطات والمنظمين وانتهى بعضها بمواجهات وأعمال تخريب ونهب وحرائق واعتقالات. وأصبحت الأزمة أكثر تعقيداً بعدما امتزجت المطالب الاجتماعية باحتقان سياسي في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً متزايدة بشأن سياساتها الاقتصادية والاجتماعية.
إن خطورة ما يحدث في فرنسا لا تكمن في حجم الحشود وحدها بل في اتساع قاعدة الغاضبين وتنوعهم ، فالطلبة والعمال والنقابات والفئات المتضررة من تكاليف المعيشة قد يجدون على اختلاف دوافعهم أرضية مشتركة للاحتجاج ، وحين تتلاقى هذه الفئات يصبح التعامل مع الأزمة أكثر تعقيداً من مجرد إعادة فتح الطرق أو تفريق المتظاهرين، فالشارع قد يهدأ بالقوة لكنه لا يفقد أسبابه.
ومن فرنسا إلى بلجيكا وإيطاليا والبرتغال هل هناك انتقال للعدوى؟
الجواب أن امتداد الاحتجاجات إلى دول أوروبية أخرى أصبح واقعاً لكن وصفها جميعاً بأنها حركة واحدة انطلقت من فرنسا يحتاج إلى شيء من الدقة.
ففي بلجيكا خرج طلبة ونقابيون للاعتراض على تكاليف التعليم وتخفيضات الميزانية وشهدت بروكسل مواجهات مع الشرطة.
وأما في إيطاليا اندلعت احتجاجات على غلاء المعيشة تخللتها أعمال عنف في ميلانو ومدن اخرى.
أما في البرتغال فقد خرج عشرات الآلاف إلى شوارع لشبونة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف الحياة وأزمة السكن والأجور التي لا تواكب النفقات المتزايدة.
وهنا تبرز نقطة مهمة ليست كل هذه الاحتجاجات امتداداً تنظيمياً مباشراً للحركة الفرنسية فبعضها يستلهم ما يجري في فرنسا بينما نشأ بعضها الآخر من أزمات محلية متراكمة، لكن تزامنها يكشف عن قواسم مشتركة تتجاوز الحدود وفي مقدمتها القلق الاقتصادي وتراجع القدرة الشرائية وصعوبة الحصول على السكن والخوف على مستقبل التعليم والعمل.
وهذا ما يمنح المشهد الأوروبي دلالته الأعمق إذ لم تعد الحكومات تواجه مطالب منفردة يسهل احتواؤها بل تواجه أزمات متداخلة يمكن أن تتلاقى في لحظة واحدة داخل الشارع.
لماذا يغضب الشارع الأوروبي؟
على الرغم من اختلاف الظروف بين دولة وأخرى فإن ثمة عوامل مشتركة تغذي الاحتقان وحسب ما وصلنا من تقارير صحفية :
أولاً: أزمة المعيشة حين ترتفع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات بوتيرة تفوق نمو الأجور تتحول الحياة اليومية إلى معركة حسابات لا تنتهي ويصبح الراتب عاجزاً عن توفير الحد الذي يشعر معه المواطن بالأمان.
ثانياً: أزمة الثقة لا تقاس شرعية السياسات الاقتصادية بالأرقام والمؤشرات وحدها بل بمدى انعكاسها على حياة الناس وعندما يشعر المواطن بأن القرارات الحكومية لا تخفف أعباءه أو أن كلفة الإصلاح تقع أساساً على أصحاب الدخول المحدودة تتسع الفجوة بين المؤسسات والشارع.
ثالثاً: الطلبة لا يحتجون على أبنية مدرسية متداعية أو نقص المدرسين فحسب بل على مستقبل يشعرون بأن فرصه تتقلص ، والشباب الذين يخشون البطالة أو العجز عن امتلاك مسكن لا ينظرون إلى الأزمة بوصفها ظرفاً عابراً بل باعتبارها تهديداً لمسار حياتهم.
رابعاً: التأثير المتبادل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الصور والمقاطع والشعارات تنتقل بين الدول خلال دقائق وتمنح الحركات الاحتجاجية قدرة على تبادل الخبرات واستلهام أساليب التعبئة لكنها لا تستطيع وحدها صناعة حركة مستدامة ما لم تجد أسباباً حقيقية للغضب داخل المجتمع.
لا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن السياق السياسي الأوروبي حيث تتصاعد المنافسة بين التيارات السياسية وتقترب استحقاقات انتخابية مهمة في عدد من الدول ، وقد تحاول أحزاب مختلفة استثمار الغضب الشعبي لتوسيع نفوذها سواء عبر نقد سياسات التقشف أو الهجرة أو الإنفاق العام ، لكن الشارع ليس كتلة سياسية واحدة فالمتظاهرون قد يتفقون على رفض الغلاء ثم يختلفون بشأن البدائل والحلول ، ومع ذلك فإن تجاهل المطالب الاجتماعية أو الاكتفاء بالمقاربة الأمنية قد يحول احتجاجاً محدوداً إلى أزمة سياسية أكثر اتساعاً ، وفي المقابل فإن الحوار الجاد ومراجعة السياسات التي تثقل كاهل الفئات الأضعف ومحاسبة المسؤولين عن التجاوزات يمكن أن تفتح طريقاً لاحتواء الأزمة.
إن أخطر ما في المشهد ليس أن تشتعل الشوارع في أكثر من عاصمة أوروبية بل أن تتحول الأزمات الاقتصادية والاجتماعية إلى شعور عام بأن المؤسسات السياسية لم تعد قادرة على الاستجابة لمطالب المواطنين.
أوروبا تمتلك مؤسسات راسخة وتجارب طويلة في إدارة الأزمات وآليات سياسية وانتخابية تتيح تغيير السياسات والحكومات وهذه عوامل تجعل الحديث عن انهيار القارة أمراً متسرعاً لكن امتلاك المؤسسات لا يعفيها من اختبار الثقة الشعبية ولا يضمن أن الاحتقان سيظل محدوداً إذا استمرت أسبابه.
وإذا كانت فرنسا قد منحت الاحتجاجات الحالية زخماً إعلامياً ورمزياً فإن استمرارها أو اتساعها سيعتمد على عوامل متعددة أهمها استجابة الحكومات، ومواقف النقابات، وطبيعة المطالب، وحجم المشاركة الشعبية، وقدرة القوى السياسية على تحويل الغضب إلى برنامج إصلاحي واضح.
ولابد من الإشارة الى أن العنف لا يلغي ضرورة الاستماع إلى أسباب الاحتجاج ، النار تبدأ حين تفقد السياسة قدرتها على الإقناع، قد لا تحرق شرارة فرنسا القارة العجوز لكنها كشفت عن مواد قابلة للاشتعال في أكثر من مجتمع أوروبي ، وما يجري اليوم يضع الحكومات أمام حقيقة جوهرية هل تستطيع معالجة جذور الغضب أم ستكتفي بإطفاء مظاهره؟
إن استقرار الدول لا يتحقق بقوة الشرطة وحدها ولا تُقاس متانة الديمقراطيات بهدوء الشوارع فقط بل بقدرتها على ضمان حياة كريمة وفرص عادلة وخدمات عامة لائقة وشعور المواطنين بأن أصواتهم مسموعة.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام المقبلة هل تقرأ الحكومات الأوروبية رسائل الشارع وتبادر إلى الإصلاح أم تسمح بتراكم الأزمات حتى تصبح كلفة معالجتها أكبر من قدرتها على الاحتمال؟

قد يعجبك ايضا
∧