كلام في (الفقر، الذل، العبودية، والحرية)

د. توفيق رفيق آلتونچي

الذليل من يشعر بالذلة وعلى الأكثر لا حول له ولا قوة خاصة إذا عرفنا ان هناك سلطة قوية ظالمة (دكتاتور او حالة عوز اقتصادي او احتلال عسكري) يستعبده ويدفع به إلى الانحناء والسجود وقبول” الذل” مجبورا على ذلك او تقيةً “السجود لغير الخالق مذلة ”


الكوردي الذي لم يتنازل ويقبل أيادي شاه ايران

لكن الانحناء ظهر كذلك كتعبير لاحترام الأشخاص والكبار في السن وتقبيل اياديهم خاصة في بين شعوب الشرق بينما كان السجود معروفا في الحضارات القديمة في مصر وبلاد النهرين وحضارات اخرى. لم يعتبر ذلك إذلالا للأشخاص بل احتراما لمكانة الشخص خاصة إذا كان ذو مكانة كالسلاطين والملوك ورؤساء الدول والوزراء. كما اعتبر الشرفاء من السادة أشخاص مقدسون ويجوز تقبيل أياديهم مجاملة (للنساء) وتعظيم للرجال في حين نرى ذلك بين جميع رجال الدين في كافة الديانات والعقائد. التواضع، الخشوع، العبادة، العزة، الوهن وكل هذا طبيعي ولا يعتبر ذلك بقدر كونها احترام للمكانة الدينية لهؤلاء. وهي ها هنا كناية عن التواضع الشديد واللين والرحمة لان الذلة بمعناه السلبي تكون إجبارية وليست طوعية عن طيب خاطر. هناك فرق كبير بين سلوك هؤلاء المنافقين اللذين يتحابون إلى السلطة لغرض ما في نفسهم والتقرب إلى رجال السلطة نفاقا مع اللذين يجبرون على الطاعة.


الفقر والذلة للرسام الأسباني بابلو بيكاسو من الفترة الزرقاء.

وقد ورد في القران الكريم في ١٨ موضعا بعدد من المعاني حسب سياق الايات وَرَدَ ذِكْرُ الذِّل في القرآنِ الكريمِ وجاءَ ذِكرِ الكلمة في سورة آل عمران. وقال العسكري: «الذلة: الضعف عن المقاومة، ونقيضها العزة، وهي القوة على الغلبة، ومنه الذلول وهو المقود من غير صعوبة؛ لأنه ينقاد انقياد الضعيف عن المقاومة، وأما الذليل فإنه ينقاد على مشقة» (الفروق اللغوية، العسكري ص٢٥١.).


قبر نابليون بونابرت

كنت قبل سنوات في زيارة إلى باريس العاصمة الفرنسية وزرت المكان الذي يرقد فيه نابليون بونابرت والمتحف الحربي الملاصق للضريح الذي يقع على تلة مرتفعةً عن المستوى العامً للمدينة بحيث يمكن رؤية قبته من بعيد. لا علم لي إذا كانت تلك التله صناعية ام انها طبيعية ولكن وجود القبر في مكان تحت مستوى الأرض ادى إلى ان جميع الزوار عليهم الانحناء لمشاهدة القبر وبهذه الطريقة البسيطة تمكن الفرنسيون من جعل الانحناء امام هذا الرجل العسكري الذي يمثل تاريخا لفرنسا وعبر العصور.

الذل يؤدي إلى الطاعة والانبطاح وهشاشة في الشخصية ويتحول الفرد إلى عبد بأمرة متسلط (مذكر او موئنث) . ولكن الذل امام الأبوين عبادة، كذلك. الأقليات الأكثر تعرضا للظلم والذل وحتى التنمر في المدارس. وهذا ما يعانيه ابناء المهاجرون في السنوات الاولى لوصولهم إلى الدول التي قبل لجوءهم . ويعاني الأطفال بالدرجة الأولى لعدم أجادتهم لغة اهل البلاد بالدرجة او مظهرهم الغير أوربي. لذا تراهم ينعزلون ويعانون من أمراض نفسية، كذلك الذليل.

الذليل كصفة نراه ملاصقا بالعبودية فالعبد تاريخيا كان ذليلا لفقدانه لحريته لكن العصر الحديث غير قوانين التي كانت سائدة في عهود انتشار تجارة العبيد خاصة في أفريقيا وتاريخيا كنتيجة لما يسمى بالفتوحات الإسلامية التي أنتجت مجاميع ذليلة وخاصة بين النساء وما يسمى ب “السبية” ، الجارية و الأمه وهي صفات شبيه بالعبده وغير حرة . تجدر الإشارة بان هذا المفهوم لا يزال حيا في الفكر السياسي الإسلامي وأمثلته كثيرة في العصر الحديث وطبقها حركة (داعش) في العراق حين استعبدوا النساء الايزيديات وبعن في سوق النخاسة. في حين نعيش في عالم تقود حكوماتها العديد من السيدات وقد كانت پاكستان وتركيا رائدتان في هذا المضمار. الجدير بالذكر بان جميع قوانين الدول في العصر الحديث يحضر استعباد البشر بكافة أشكاله.

تُصنّف القانون الدولي العبودية كجريمة دولية يحظرها القانون حظراً مطلقاً، وتندرج تحت القواعد الآمرة (Jus Cogens) التي لا يجوز انتهاكها أو التحلل منها تحت أي ظرف من الظروف، سواء في السلم أو في حالة الحرب. بذلك تبقى صفة الذليل محصورا على الحالة الاقتصادية للبشر اي “الفقر” واينما وجدوا وتبقى عدوة البشرية ومحوه من أهم ركائز حقوق الإنسان.

قد يعجبك ايضا
∧