عبد الستار ناصر… سارد التمرد

محمد علي محيي الدين

عبد الستار ناصر (1947–2013) قاص وروائي وصحفي عراقي، يُعد من أبرز كتّاب القصة القصيرة في العراق والعالم العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. تميزت تجربته بالجرأة في تناول الإنسان العراقي وتحولاته النفسية والاجتماعية، كما اتسمت كتاباته بلغة كثيفة وحساسية سردية عالية، جعلت منه واحداً من أكثر الأدباء إثارةً للجدل، سواء بسبب منجزه الإبداعي أو مواقفه الفكرية والسياسية التي خضع كثير منها للمراجعة والنقد الذاتي في سنواته الأخيرة.
ولد في محلة الطاطران ببغداد سنة 1947، وهي البيئة الشعبية التي ستظل حاضرة في معظم أعماله، ليس بوصفها مكاناً فحسب، بل بوصفها ذاكرةً ومصدراً للشخصيات والحكايات. بدأ الكتابة في سن مبكرة، ونشر أولى قصصه في مطلع ستينيات القرن الماضي في جريدة الأنباء الجديدة، قبل أن يلفت الأنظار بنتاجه القصصي المبكر، ويصدر مجموعته «الرغبة في وقت متأخر» سنة 1969، بعد كتابه الأول «لا تسرق الورد رجاءً»، لتبدأ بعدها رحلة أدبية امتدت أكثر من أربعة عقود.
عمل في الصحافة الثقافية، وتولى عدداً من المناصب، كان من أبرزها مدير تحرير مجلة التراث الشعبي، وأسهم في تنشيط الحركة الثقافية العراقية عبر الصحافة والنشر. غير أن مسيرته لم تخلُ من المواجهات مع السلطة؛ فقد سُجن سنة 1975 لمدة عام بسبب نشر قصته الشهيرة «سيدنا الخليفة»، التي عدّت آنذاك من أكثر النصوص جرأة في نقد الاستبداد، وهي القصة التي رأى فيها كثير من النقاد، ومنهم علي عبد الأمير عجام، نبوءة مبكرة بالمصير الذي انتهى إليه العراق لاحقاً.

Screenshot

شهدت تجربته الأدبية تحولات فكرية متباينة؛ ففي سنوات الحرب العراقية الإيرانية كتب نصوصاً انسجمت مع الخطاب الرسمي، من بينها «قصص بثياب المعركة» ورواية «الشمس عراقية»، لكنه بعد مغادرته العراق سنة 1999 أعلن مراجعة تلك المرحلة، وقدم في أكثر من كتاب اعتذاراً صريحاً للأدب وللقارئ العراقي، معترفاً بأن الكاتب لا يستطيع أن ينفصل عن مسؤوليته الأخلاقية تجاه مجتمعه. وقد شكل هذا التحول أحد أبرز ملامح سيرته الفكرية، إذ فضّل الاعتراف على المكابرة، والنقد الذاتي على تبرير الماضي.
غادر بغداد إلى عمّان سنة 1999، حيث أقام مع زوجته الروائية هدية حسين، قبل أن يهاجر إلى كندا، وهناك واصل الكتابة رغم ما تعرض له من أزمات صحية متلاحقة، كان أشدها إصابته بجلطة قلبية سنة 2010، لتتراجع حالته الصحية تدريجياً حتى توفي في أحد مستشفيات مدينة تورنتو سنة 2013، بعد حياة كرّس معظمها للأدب.
خلّف عبد الستار ناصر أكثر من خمسين كتاباً في القصة والرواية والنقد، تُرجمت طائفة منها إلى الإنكليزية والروسية والألمانية ولغات أخرى، مما أسهم في التعريف بالسرد العراقي خارج حدوده. ومن أشهر أعماله: «لا تسرق الورد رجاءً»، و«الرغبة في وقت متأخر»، و«الحب رمياً بالرصاص»، و«نساء من مطر»، و«أوراق امرأة عاشقة»، و«أوراق رجل عاشق»، و«أوراق رجل مات حياً»، و«بقية ليل»، و«الهجرة نحو الأمس»، و«سوق الوراقين»، و«مقهى الشاهبندر»، و«الشماعية»، و«بعد خراب البصرة»، و«الكواش»، و«حياتي في قصصي»، و«أبو الريش»، و«سوق السراي»، و«باب القشلة»، و«حمار على جبل»، و«صندوق الأخطاء»، و«الحكواتي»، و«على فراش الموز»، و«نصف الأحزان»، و«قشور الباذنجان»، و«الطاطران»، و«شارع المتنبي»، و«السيدة التي دخلت»، وغيرها من الأعمال التي جعلت من المكان البغدادي والإنسان العراقي محوراً دائماً للسرد.
وكان يرى أن الكتابة أصبحت قدره الشخصي، معترفاً بأنه ضحّى من أجلها بأشياء كثيرة، وهو ما يفسر غزارة إنتاجه واستمراره في التأليف حتى سنواته الأخيرة. وفي المقابل، لم يتردد في ممارسة أقسى أنواع النقد الذاتي، حين كتب مقالته الشهيرة «أنا كاتب فاشل»، التي لم تكن إعلاناً للفشل بقدر ما كانت تعبيراً عن طموحه اللامحدود، إذ كان يقارن نفسه بكبار الأدباء العالميين مثل غابرييل غارسيا ماركيز وجان بول سارتر وفرانز كافكا وإستيفان زفايغ وإيزابيل الليندي وديريك والكوت، معتبراً أن الإبداع الحقيقي يظل مشروعاً مفتوحاً لا يعرف الاكتفاء.
وقد حظيت تجربته باهتمام واسع من النقاد والكتّاب. فقد كتب عنه غسان كنفاني مبكراً عند صدور مجموعته «الرغبة في وقت متأخر»، ورأى فيه صوتاً جديداً في القصة العربية، كما وصفه علي جعفر العلاق بأنه كاتب تحيط به الزوابع دائماً، وعدّه المؤرخ إبراهيم خليل العلاف واحداً من أبرز مجددي القصة العراقية، نافياً عنه الوصف الذي كان يطلقه على نفسه بأنه «كاتب فاشل». أما الروائي عبد الخالق الركابي فقد رثاه بوصفه رفيقاً لسنوات طويلة من العمر والإبداع، في حين رأى علي عبد الأمير عجام أن حياته كانت سلسلة من المراجعات المؤلمة التي انتهت بمنفى بعيد، بينما وصفه الناقد علي حسن الفواز بأنه «الحالم الكبير» الذي ظل مشغولاً بالمكان والمرأة والذاكرة حتى رحيله.
وبذلك بقي عبد الستار ناصر واحداً من أبرز الأصوات السردية العراقية المعاصرة، ليس لغزارة إنتاجه فحسب، بل لأنه جعل من القصة والرواية مساحةً للاعتراف والاحتجاج وكشف هشاشة الإنسان في مواجهة السلطة والمنفى والزمن، فاستحق أن يحتل مكانة خاصة في تاريخ الأدب العراقي الحديث. وقد استندت هذه الترجمة إلى ما ورد في صفحة «شخصيات من بلادي» للأستاذ موفق الربيعي (30 نيسان/أبريل 2018)، فضلاً عن الشهادات التي كتبها إبراهيم خليل العلاف وعبد الخالق الركابي وعلي عبد الأمير عجام وعلي حسن الفواز، وهي مصادر تسلط الضوء على شخصيته ومنجزه الأدبي.

قد يعجبك ايضا
∧