السودان أمام مجلس الأمن: السيادة الوطنية وحماية المدنيين وتحديات السلام

سعد محمد عبدالله

شهدت جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026م نقاشات واسعة بشأن تطورات الحرب في السودان، وسط تباين المواقف الدولية حيال قضايا حماية المدنيين، وحظر السلاح، ومستقبل العملية السياسية، والحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة أراضيها، وعكست مداخلات المندوبين والمسؤولين الأمميين حجم التعقيدات المحيطة بالأزمة السودانية، في ظل إستمرار المواجهات العسكرية، وتفاقم الإحتياجات الإنسانية، وتصاعد المخاوف بشأن إتساع نطاق الإنتهاكات التي تمارسها مليشيا الدعم السريع، وفي هذا السياق، أكد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، الحارث إدريس، وجود خيوط أمل يمكن البناء عليها رغم قتامة المشهد، مشددًا على ضرورة إستناد أي إتفاق للسلام إلى القبول الشعبي، وتضمينه آليات واضحة ومحددة للتنفيذ؛ كما دافع عن حق الدولة في إمتلاك الوسائل اللازمة لحماية أراضيها ومؤسساتها، معترضًا بشدة على مقترح تعميم حظر السلاح، لما قد يترتب عليه من تقييد لقدرة الدولة على أداء واجباتها الدستورية تجاه شعبها، في ظل حرب تتداخل فيها عوامل محلية وإقليمية ودولية، ووفقًا لدلائل مثبتة، وطالب بتصنيف مليشيا الدعم السريع ككيان إرهابي، معتبرًا أنها تشكل تهديدًا خطيرًا للسلم والأمن في السودان، وربط إنهاء الحرب بوقف تدفقات الأسلحة، وإخراج المقاتلين الأجانب من البلاد، ومنع إستغلال الهدن الإنسانية لإعادة التسلح أو تعزيز الإنتشار العسكري، وتكشف هذه المواقف أن النقاش الدولي لا يقتصر على وقف القتال فحسب، بل يمتد إلى طبيعة الدولة السودانية، وترتيبات السلام، والضمانات اللازمة لتنفيذ أي تسوية مستقبلية، بما يحفظ السيادة الوطنية ويصون وحدة البلاد ومؤسساتها.

هنا برزت إختلافات واضحة بين أعضاء مجلس الأمن الدولي بشأن كيفية التعامل مع تدفقات الأسلحة، وتعزيز الرقابة والمساءلة، وتحديد نطاق العقوبات المفروضة؛ فقد دعا نائب المندوب الأمريكي إلى إتخاذ إجراءات ملموسة لوقف إمدادات السلاح، ومناقشة نظام العقوبات، ودعم عملية سياسية شاملة تفضي إلى قيام سودان موحد يحافظ على مؤسسات الدولة ويكون مسؤولًا أمام شعبه، وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الفريق أول الركن عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، بعث برسالة خطية إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبيل إنعقاد جلسة مجلس الأمن، أكد فيها إستعداد الحكومة للعمل مع جميع الأطراف من أجل تحقيق سلام شامل وعادل يصون وحدة السودان وسيادته، ويحفظ حرية شعبه وكرامته، وفي المقابل، شدد المندوب الصيني على إحترام سيادة السودان ووحدة أراضيه، ورفض فرض الحلول الخارجية، مؤكدًا أهمية الحوار الوطني وملكية السودانيين للعملية السياسية بعيدًا عن التدخلات والوصاية؛ كما أعلن المندوب الروسي دعم بلاده لوحدة السودان وشرعية مجلس السيادة الإنتقالي، معتبرًا أن الأدوات القائمة ضمن نظام العقوبات كافية لمحاسبة الأفراد والجماعات المتورطة في أعمال العنف والإرهاب وإنتهاكات القانون الدولي، ويعكس هذا التباين إختلافًا في تقدير الأدوات المناسبة لإنهاء الحرب، بين الدعوة إلى توسيع الضغوط والعقوبات، والتمسك بالترتيبات القائمة، وإعطاء الأولوية للمسار السياسي الوطني؛ غير أن هذا الإختلاف يطرح تساؤلات جوهرية بشأن قدرة المجلس على تحويل مواقفه إلى تدابير عملية تحد من إستمرار القتال وتفتح المجال أمام الحوار السياسي؛ ففاعلية التحركات الإقليمية والدولية تتطلب وضوح الإلتزامات، ووجود آليات فعالة لمراقبة تنفيذ القرارات، والتعامل مع مصادر السلاح والتمويل، مع ضمان حماية المدنيين وعدم تقويض فرص التسوية السياسية؛ كما تستدعي تجنب إزدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، حتى لا تتحول الخلافات الدولية إلى عامل إضافي يسهم في إطالة أمد الحرب وتفاقم كلفتها الإنسانية والسياسية والإقتصادية على السودان.
[10/17/2026 10:49 AM] جواد كاظم: على الصعيد الإنساني، حذرت وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية وبناء السلام، روزماري ديكارلو، من إستمرار تدهور الأوضاع في السودان، مشيرة إلى القتال المتواصل، والأزمة الإنسانية، والضائقة الإقتصادية، وتراجع الخدمات الأساسية، بالتزامن مع إستمرار تجنيد المقاتلين وتدفق الأسلحة من خارج البلاد وإستهداف الأعيان المدنية، وفي هذا الإطار، تبرز التقارير المتداولة بشأن إستهداف مركز أبو شندي لإيواء النازحين بمحافظة ود الماحي في إقليم النيل الأزرق بطائرات مسيّرة أطلقتها مليشيا الدعم السريع، وما أُفيد عن سقوط قتلى وجرحى، بوصفها مؤشرًا خطيرًا على المخاطر التي تهدد المدنيين ومرافق الإيواء، الأمر الذي يستوجب التحقيق في ملابسات الحادثة وتحديد المسؤولية عنها؛ كما إستعرض المبعوث الأممي بيكا هافيستو جهود التواصل مع الأطراف السودانية لتخفيف حدة النزاع، وبناء الثقة، ودعم المساعي الدبلوماسية، وفي المقابل، أوضح مندوب السودان أن الحكومة إعتمدت أربعة عشر مسارًا لإيصال المساعدات الإنسانية إلى الولايات الثماني عشرة، مشيرًا إلى أن التمويل الفعلي لخطة الأمم المتحدة للإحتياجات والإستجابة الإنسانية لعام 2025م لم يتجاوز 37.2 بالمئة، وتكشف هذه المعطيات إتساع الفجوة بين الإحتياجات الإنسانية المتزايدة والموارد المتاحة للإستجابة، بما يستدعي تحركًا إقليميًا ودوليًا عاجلًا لتوفير التمويل اللازم وضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها دون عوائق، وتظل حماية المدنيين مرهونة باتخاذ إجراءات عملية تشمل إحترام القانون الدولي الإنساني، وتأمين المرافق الصحية ومصادر المياه، ومنع إحتلال المنازل والمنشآت المدنية، وضمان سلامة ممرات الإغاثة؛ كذلك، شدد المندوب السوداني على ضرورة إخراج القوات من المواقع المدنية وفق جدول زمني متفق عليه وتحت مراقبة دولية؛ ومن ثم، فإن أي هدنة لا تقترن بترتيبات واضحة وقابلة للتحقق تظل محدودة الأثر، الأمر الذي يستوجب ربطها بآليات رقابة فعالة، ومساءلة شفافة عن الإنتهاكات، وضمانات تحول دون إستغلالها لإعادة تنظيم القوات المتمردة أو الإستعداد لإستئناف القتال وفرض واقع جديد.

على الصعيد الإقليمي، شددت مصر على أن وحدة السودان وإستقراره يمثلان أولوية، وأكد مندوبها رفض تجريد القوات المسلحة من الأدوات اللازمة لأداء دورها الدستوري، محذرًا في الوقت ذاته من تداعيات التصعيد العسكري، ولا سيما في إقليم النيل الأزرق، وأيضًا أبدت القاهرة إستعدادها للإضطلاع بدور تنسيقي بين الآليتين الرباعية والخماسية المعنيتين بالوساطة، مشيرة إلى الأعباء الإقتصادية والإنسانية المترتبة على إستضافتها السودانيين الفارين من الحرب، وللسودان رأي واضح تجاه آليات الوساطة التي تضم طرفًا ممولاً للحرب، وتكتسب هذه المواقف أهمية في ظل إمتداد تداعيات الأزمة إلى محيط السودان، وما تشهده منطقة القرن الإفريقي من توترات سياسية وعسكرية متصاعدة، وما يرتبط بها من تحديات تتعلق بحركة السكان، والأمن الحدودي، وتدفقات الأسلحة والمقاتلين الأجانب، ومع ذلك، فإن تعدد المبادرات لا يضمن نجاح الوساطة ما لم تتوحد أهدافها، وتتنسق جهودها، ويُمنح السودانيون دورًا محوريًا في تحديد مستقبل بلادهم؛ فالسلام المستدام لا يتحقق بفرض الحلول أو بمجرد إعلان وقف إطلاق النار، بل يتطلب معالجة جذور النزاع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان المشاركة السياسية الواسعة، وإطلاق مسار وطني يعالج المظالم الممتدة ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية ويحفظ الحقوق والحريات السياسية والمدنية، وينبغي أن تقترن أي تسوية بضمانات فعالة لحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الإنتهاكات وفقًا للقانون السوداني والقانون الدولي الإنساني، إلى جانب دعم الجهود المبذولة لإعادة الإعمار وإستعادة الخدمات الأساسية، وفي المحصلة، تمثل مسؤولية مجلس الأمن إختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على الإنتقال من تبادل المواقف إلى دعم إجراءات عملية قابلة للتنفيذ، تحترم سيادة السودان، وتحافظ على وحدته، وتمنع تفككه، ويبقى مستقبل السلام مرهونًا بإرادة السودانيين، وإستعداد الأطراف لوقف الحرب وتغليب الحل السياسي، وإلتزام القوى الخارجية بوقف التدخلات التي تسهم في إطالة أمد الصراع، بما يهيئ الظروف اللازمة لإستعادة الإستقرار وبناء دولة يسودها القانون وتحفظ حقوق مواطنيها.

قد يعجبك ايضا
∧