مهند محمود شوقي / كاتب وباحث في الشأن السياسي
ما تزال الأمور في العراق تُدار وفق واقع المحاصصة السياسية والتوزيع الحزبي للمناصب والأدوار، وهو واقع أفرزته تجربة ديمقراطية لم نصل، أنا وكثيرون غيري، إلى فهم حدودها الحقيقية. فهل تقوم فلسفة التمثيل السياسي على ضمان حضور الأحزاب في السلطة، أم على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، باعتبار أن الغاية الأساسية من المشاركة السياسية هي خدمة الدولة والمكونات التي تمثلها تلك الأحزاب؟
غير أن الممارسة تكشف أحياناً عن صورة مختلفة، يبدو فيها الظفر بالمنصب جوهر الانتماء الحزبي، وكأن المسؤولية تحولت من واجب وطني إلى مكافأة سياسية لمن أثبت ولاءه التنظيمي أو بلغ غاياته داخل الحزب، بصرف النظر عن مؤهلاته. وهنا تظهر إشكالية تتصل بطبيعة الشرعية السياسية، فالاستحقاق الانتخابي يمنح الحزب حق المشاركة في الحكم، لكنه لا يمنح مرشحيه حصانة من معايير الكفاءة والمساءلة.
وليس سراً القول إن هذه التفسيرات أنهكت الأحزاب قبل أن تُنهك مؤسسات الدولة، وأضعفت قيمة التمثيل السياسي وثقة المواطن بالعملية الديمقراطية. فقد اختُزلت المحاصصة، في جانب من ممارساتها، بسؤال: من سيصل، وما حصته؟ بينما تراجع السؤال المتعلق بقدرته على الإدارة والإنجاز. وبذلك نشأت فجوة بين شرعية الوصول إلى السلطة ومشروعية الأداء فيها، وهي فجوة لا تعالجها التفاهمات السياسية وحدها.
المشكلة لا تكمن في الانتماء الحزبي، فالأحزاب ركيزة أساسية في الأنظمة التعددية، وإنما في تحول الولاء إلى معيار يتقدم على الجدارة المؤسسية. فالمسؤولية العامة ليست امتيازاً تنظيمياً، بل تفويض مقيد بالقانون والمصلحة العامة، ومن يتولاها يصبح خاضعاً لمبدأ المساءلة الديمقراطية، لا لرضا الجهة التي رشحته وحدها. فالدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق المكافآت، كما أن المؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى امتداد للمصالح التنظيمية.
ومن هنا تبرز أهمية المأسسة الحزبية، بوصفها عملية بناء تنظيمات تمتلك قواعد واضحة لإعداد القيادات وتداول المسؤوليات وتقييم الأداء. فالحزب الذي يطمح إلى إدارة الدولة مطالب أولاً بتطوير رأس ماله البشري، عبر تأهيل كوادر متخصصة في الاقتصاد والقانون والإدارة والسياسات العامة، بدلاً من الاكتفاء بالتدرج التنظيمي أو القرب من مراكز القرار. فالمشاركة في الحكم لا تبدأ بالتفاوض على الوزارات، وإنما بالقدرة على تقديم شخصيات مؤهلة لإدارتها.
ولا خلاف على أن الولاء والإخلاص يمثلان ركيزتين في التماسك التنظيمي، لكنهما لا يتعارضان مع الكفاءة، بل يفترض أن يتكاملا معها. فالولاء يحفظ وحدة الأهداف، والكفاءة تمنح تلك الأهداف أدوات التنفيذ. أما الفصل بينهما فيفتح المجال أمام ما يُعرف بالزبائنية السياسية، حيث تتقدم شبكات العلاقات والمنافع المتبادلة على معايير الاستحقاق، ويصبح القرب من القرار أكثر تأثيراً من القدرة على صناعته.
والأخطر أن تهميش الكادر الكفوء وتقديم الأقل قدرة قد ينتج اختلالاً في التوازن الداخلي للحزب. فغياب عدالة الفرص يضعف الثقة التنظيمية، ويدفع بعض الكوادر إلى البحث عن النفوذ الفردي بدلاً من الاستثمار في العمل الجماعي. وبمرور الوقت، قد تتشكل مراكز قوة تتنافس على المواقع أكثر مما تتنافس على تطوير البرامج، فتتراجع وحدة الغايات أمام تعدد المصالح، ويصبح التنظيم معرضاً لاستنزاف كفاءاته من داخله.
وفي علم السياسة، لا تُقاس قوة الأحزاب بعدد أعضائها أو حجم تمثيلها فقط، بل بقدرتها على تجديد النخبة السياسية وإنتاج قيادات تمتلك المعرفة والاستقلالية المهنية. فالحزب الذي يخشى الرأي المختلف قد يحافظ على انضباط ظاهري، لكنه يخسر إحدى أهم أدوات التصحيح الذاتي. والإخلاص الحقيقي لا يعني الموافقة الدائمة، وإنما القدرة على تقديم المشورة وحماية المؤسسة من أخطاء القرار، دون الإخلال بوحدة أهدافها.
ومن الإنصاف إدراك أن البيئة العراقية محكومة بتوازنات سياسية ومكوناتية معقدة، وأن إدارة التحالفات تفرض تفاهمات لا يمكن تجاوزها بسهولة. غير أن التوافق السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى نقيض للحكم الرشيد، فبوسع الأحزاب الجمع بين استحقاقاتها الانتخابية ومعايير الاختصاص والنزاهة. والتحدي ليس في إلغاء التعددية أو إنكار حقوق القوى السياسية، بل في الانتقال من تقاسم المواقع إلى تقاسم مسؤولية النجاح. ولعل السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الأحزاب على نفسها ليس كم منصباً حصلنا عليه، بل كم مؤسسة طورناها، وكم سياسة عامة نجحنا في تنفيذها، وكم مواطناً لمس نتائج مشاركتنا في الحكم؟ فمقياس الفاعلية السياسية لا ينحصر في القدرة على الوصول إلى السلطة، وإنما يمتد إلى جودة المخرجات الحكومية ومدى انعكاسها على المجتمع.
والأمر يتعلق بمستقبل الأحزاب بقدر تعلقه بمستقبل الدولة. فالتنظيم الذي لا ينصف كفاءاته قد يجد نفسه أمام قيادات تجيد إدارة العلاقات أكثر مما تجيد إدارة الملفات، ويكتشف متأخراً أن إضعاف أصحاب الاختصاص لم يكن ضمانة للتماسك، بل بداية لتآكل قدرته المؤسسية.
فالتشريف قد يتحقق بقرار التعيين، أما التكليف فتثبته النتائج. والحزب الذي يستثمر في كفاءاته يحمي شرعيته ومستقبله معاً، لأن المسؤولية التي تبدأ بمجاملة داخل التنظيم قد تنتهي بكلفة تتحملها الدولة والمجتمع. ويبقى المعيار الأهم ليس من يستطيع الوصول إلى المنصب، بل من يمتلك القدرة على أن يجعل وجوده فيه إضافة للدولة، لا عبئاً عليها.