محنة قائد قومي؛ الرئيس مسعود بارزاني بين خنجر الخيانة الداخلية وقسوة التوازنات الخارجية

صادق سيريني

غريبٌ في عصره
في تاريخ الثورات والحركات التحررية للشعوب، قلّما نجد قائدا قوميّا تجرّع، بدلا من كأس السعادة، كأس المحنة المسمومة. فالمحنة الحقيقية للقائد لا تكمن في وجود عدوٍّ قوي يقف في مواجهته؛ إذ تظل المواجهة مع العدو، على شدّتها وقسوتها، معادلةً واضحة المعالم. أما المحنة الكبرى، والمأساة التي تمزّق نياط القلب، فتبدأ حين يعيش القائد في عصرٍ يسبق فيه وعيُه وعيَ شعبه بمراحل، فيغدو غريبا في زمانه، محاصرا بغُربة قاتلة لا تقلّ قسوةً عن مواجهة الأعداء.
وفي سياق التاريخ الكوردستاني المعاصر، يبرز اسم الرئيس مسعود بارزاني تجسيدا حيّا لهذه المحنة العميقة. فالبارزاني ليس مجرّد صاحب قرار سياسي أو رئيس حزب، بل هو حامل إرثٍ تاريخي ورمزيةٍ قومية تصدّرت حلم الاستقلال الكوردي، وتولّت مسؤولية الدفع به نحو أفق الدولة والسيادة. غير أنّ المفارقة المأساوية في مسيرته تكمن في أنّه وجد نفسه مطالبا بشق الطريق نحو الدولة والاستقلال في بيئة تتضافر فيها الضغوط الخارجية والإقليمية مع الانقسامات السياسية الداخلية؛ حيث تقف في وجه مشروعه، إلى جانب القوى الأجنبية والأنظمة الإقليمية، قوى وأقطاب سياسية داخلية تحكم مواقفَها قراءاتٌ ضيّقة، وحسابات حزبية، ومصالح آنية، وانفعالاتٌ عابرة لا ترقى إلى مستوى التحوّلات التاريخية الكبرى.
إن هذا المقال محاولةٌ لرفع الستار عن بعض الحقائق المحيطة بمحنة الرئيس مسعود بارزاني؛ ذلك القائد الذي اصطدم بعدم فهم فئةٍ من الكورد لرؤيته الاستراتيجية، وبعجزها عن استيعاب أبعاد مشروعه القومي وآفاقه البعيدة. وهو، في الوقت نفسه، تأكيدٌ لحقيقة مُرّة طالما كشفت عنها تجارب الشعوب: أنّ بعض الأمم لا تعرف قدر قادتها التاريخيين حق المعرفة، ولا تدرك حجم ما بذلوه من أجلها، إلا حين تفقدهم، أو حين تكشف الأيام لها ما كان خافيا عليها من أبعاد مواقفهم وقراراتهم.

استفتاء 2017؛ تاج السيادة وسندها وذروة الخيانة الداخلية
في خضمّ تلك المعادلات الإقليمية والدولية المعقّدة، وبينما كانت الحرب على تنظيم “داعش” تقترب من نهايتها عام 2017، قرّر الرئيس مسعود بارزاني نقل قضية الاستقلال الكوردستاني إلى مرحلة القرار القومي الحاسم، واضعا إرادة الشعب أمام استحقاق تاريخي لا يحتمل المراوغة ولا التأجيل. غير أنّ هذا الخيار واجه معارضةً دولية وإقليمية شديدة؛ فقد وقفت الولايات المتحدة وبريطانيا وقوى إقليمية في وجه الاستفتاء، ولم يكن جواب الحلفاء، على اختلاف مواقعهم وحساباتهم، يتجاوز الدعوة إلى العودة إلى بغداد والتفاوض معها: “عودوا إلى بغداد وتفاوضوا معها!”.
كان البارزاني يدرك طبيعة العقلية الشوفينية التي حكمت تعامل بغداد مع القضية الكوردية، ويعرف أن الوعود السياسية وحدها لا تكفي لضمان الحقوق القومية، وأنّ أيّ بديل حقيقي لا بُد أن يستند إلى ضمانات وكفالة دولية تحمي إرادة الشعب وتصون مكتسباته. ومن هذا الإدراك انطلق في اتخاذ قرار الاستفتاء، في خطوة تاريخية نادرة في تاريخ المنطقة المعاصر؛ خطوةٍ وضعت مسألة الاستقلال في صدارة المشهد، وأعادت القرار إلى صاحبه الأصيل: الشعب الكوردي.
وفي الخامس والعشرين من أيلول / سبتمبر 2017، قال الشعب كلمته في صناديق الاقتراع، وصوّت أكثر من 92% من المشاركين في الاستفتاء “بنعم” للاستقلال. ولم تكن هذه النتيجة مجرّد رقمٍ عابر في سجلّ الانتخابات، بل كانت تعبيرا جليّا عن إرادة شعبية كاسحة، وعن تطلّعٍ قومي راسخ إلى امتلاك القرار والمصير. لقد منحت تلك النتيجة المشروعَ سندا شعبيّا لا يمكن تجاهله، وأثبتت أن الأغلبية الساحقة من المشاركين كانت إلى جانب خيار الاستقلال الذي تبنّاه الرئيس بارزاني، وأن الأصوات المعارضة، مهما ارتفع ضجيجها، لم تكن تمثّل الإرادة الغالبة التي عبّرت عنها صناديق الاقتراع.
لكنّ المحنة الكبرى للبارزاني بدأت تتكشّف بأقسى صورها عند هذه النقطة؛ فبدلا من أن تُحترم إرادة الشعب، تضافرت الضغوط الخارجية مع مواقف داخلية أضعفت المشروع، ووجد القائد القومي نفسه أمام ثلاث جبهات من المحنة:
أولا: الموقف الدولي وتراجع الضمانات.
أغمضت الولايات المتحدة وبريطانيا أعينهما عن عمليات الاجتياح، وتركتا المجال أمام قوات الحشد الشعبي والجيش العراقي لمهاجمة كركوك والمناطق المستقطعة، مستخدمة أسلحة أمريكية. وهكذا وجد الكورد أنفسهم أمام مفارقة قاسية: أسلحةٌ قُدّمت في سياق الحرب على الإرهاب، انتهى بها الأمر إلى استخدامها في الهجوم على مناطق كوردستانية، في لحظة كان يُفترض فيها أن تُصان إرادة الشعوب وتُحترم تضحياتها.
ثانيا: الضغوط الإقليمية ومحاولة كسر الإرادة.
لم تقف الضغوط عند حدود الاعتراض السياسي؛ إذ فرضت دول إقليمية حصارا اقتصاديّا وجويّا شديدا على الإقليم، في مسعىً إلى تطويق تداعيات الاستفتاء، والضغط على قيادته، وإجبار شعبه على التراجع عن خياره القومي. وكانت تلك الإجراءات وجهًا آخر من وجوه المواجهة التي أحاطت بالمشروع، وكشفت مقدار ما كان يواجهه من تضييق وعزل ومحاولاتٍ لكسر إرادته.
ثالثا: خنجر الداخل وجرح السادس عشر من أكتوبر.
غير أن أشدّ المحن إيلاما لم يكن ما جاء من الخارج وحده، بل ما صدر من الداخل أيضا. ففي الوقت الذي كان فيه الرئيس بارزاني يسعى إلى تثبيت حق الشعب الكوردي في تقرير مصيره وإقامة كيانه المستقل، اختار بعض خصومه السياسيين أن يجعلوا من تعثّر المشروع مناسبةً للتشفّي، حتى بدا الفرح بفقدان أراضٍ كوردستانية وكأنه انتصار في معركة حزبية، لا خسارةٌ أصابت قضية شعب بأكمله. وكانت أحداث السادس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول ذروة ذلك الخنجر المسموم الذي طُعن به ظهر القائد القومي؛ لحظةً قاسية اختلط فيها ضغط الخارج بخيانة الداخل، ودُفعت فيها القضية الكوردية ثمن مواقف أضعفت جبهتها في أحلك الظروف.
إن مناوئي الاستفتاء، وتلك الزُّمَر والمجموعات التي لا تزال إلى اليوم تقرع طبول العداء للرئيس بارزاني، لم يدركوا حقيقة المعركة التي كان يخوضها، ولا حجم المخاطر التي وضع نفسه في مواجهتها. لقد ألقى بنفسه في أتون النار دفاعا عن كرامة شعبه، وعن حق أجياله القادمة في أن تمتلك مستقبلها بقرارها وإرادتها، لا بإملاءات الآخرين وشروطهم. ومع ذلك، ما زال بعضهم يواجه مواقفه بغلٍّ وكراهيةٍ عمياء، وكأن الخصومة السياسية تبيح إنكار التضحيات والتنكر للمواقف التاريخية.
لقد كان البارزاني مستعدّا لتحمّل تبعات قراره ومواجهة أثمانه السياسية، لكنه لم يكن مستعدا لأن يرى أمّته تُجبر على الانحناء أمام العالم، أو أن تُختزل تطلّعاتها القومية في حسابات ضيّقة ومساوماتٍ لا تنتهي. ومن هنا، فإن جوهر محنته لا ينفصل عن طبيعة المشروع الذي حمله: مشروعٍ أراد به أن ينتقل بالشعب الكوردي من موقع انتظار القرارات الخارجية إلى موقع التعبير عن إرادته القومية، وأن يجعل من الاستقلال أفقا سياسيّا يستحق النضال والتضحية.
الانقسام السياسي وضيق الأفق وعجز المحيط عن استيعاب “قائد المرحلة”
إذا تأمّلنا المشهد السياسي في كوردستان بعمق، أدركنا أن محنة البارزاني لم تكن وليدة الضغوط الخارجية وحدها؛ فقد أسهم الانقسام الداخلي، وما رافقه من ضيق الأفق السياسي، في تعقيد الطريق أمام مشروع الاستقلال. فبعض الأحزاب رأت في الرئيس بارزاني منافسا لمصالحها الحزبية الضيّقة، واتخذت من الاختلافات الآيديولوجية ذريعةً لمواجهة مشروعه القومي، وكأن الخلاف في الرأي يبرّر إضعاف قضيةٍ تتجاوز في معناها ومداها حدود الأحزاب ومصالحها.
وفي المقابل، لم تستطع أقليةٌ من أبناء الشعب أن تتحرّر من تأثير الخطاب الإعلامي المسموم، أو أن تنظر إلى الاستفتاء من زاوية آفاقه الاستراتيجية البعيدة. فبدلا من أن تدرك أن القضية تتعلق بحق شعب في تقرير مصيره، انساقت وراء شعارات إشكالية وخطاباتٍ شعبوية لم تقدّم بديلا عمليّا يوازي حجم التحدّي، ولا مسارا واقعيا يحقّق ما كان يطمح إليه الشعب من حقوق وسيادة.
غير أن هذه الأقلية، بمواقفها المعارضة، لم تكن هي التي عبّرت عن الاتجاه الغالب في الشارع الكوردي؛ فقد جاءت نتيجة الاستفتاء بأكثر من 92% من أصوات المشاركين مؤيدةً للاستقلال، لتؤكّد حجم التأييد الشعبي الواسع، وتدحض أيّ محاولةٍ لطمس هذه الحقيقة. ومن ثم، فإن تصوير الاستفتاء وكأنه مشروعٌ معزول أو رغبة فردية لقيادة سياسية، إنما يتجاهل الدليل الأوضح الذي خلّفته صناديق الاقتراع، ويغفل أن الرئيس بارزاني لم يكن وحده في خياره، بل كان يستند إلى إرادة شعبية عبّرت عن نفسها بأغلبية ساحقة.
إن مأساة القائد القومي تظهر حين تتقدّم الرؤية الاستراتيجية على قدرة بعض المحيطين بها على استيعابها، وحين تتحوّل الخصومات الحزبية إلى عائق أمام مشروعٍ وطني جامع. وقد كان البارزاني، في تلك المرحلة، ينظر إلى ما وراء الحسابات الآنية، فيما ظل بعض خصومه أسرى مواقفهم الضيّقة؛ فكانت الفجوة بين الرؤية والموقف، وبين المشروع القومي والحسابات الحزبية، واحدةً من أبرز ملامح المحنة التي أحاطت به.

حكم التاريخ؛ بين تجاهل الحاضر وتخليد المستقبل
لقد أثبت تاريخ البشرية أن الشعوب كثيرا ما تتأخر في إدراك قيمة قادتها العظام، وأنها لا تفهم أبعاد مواقفهم حق الفهم إلا بعد أن تفصل بينها وبينهم مسافة الزمن، أو تكشف لها الوقائع اللاحقة ما غاب عنها في لحظة الحدث. فالقائد الذي يخوض معركة مصيرية لا يُقاس دائما بما يحققه في لحظتها من نتائج، بل بما يتركه من أثر في وعي شعبه، وبما يرسّخه من حقوق وتطلعات في ذاكرة الأجيال.
ومن أجل أن يبقى جبين الشعب الكوردي مرفوعا، وضع الرئيس مسعود بارزاني نفسه وعائلته ومستقبله السياسي أمام مخاطر جسيمة ومتواصلة. ولم تكن معركة الاستفتاء، في دلالتها القومية، مجرّد خطوةٍ سياسية قابلة للربح والخسارة، بل كانت إعلانا عن حق الشعب في أن يقول كلمته، وأن يعبّر عن تطلعه إلى الاستقلال من دون أن يُصادَر صوته أو تُلغى إرادته. ومهما كانت قسوة الظروف التي أحاطت بتلك المرحلة، فإن النتيجة التي أفرزتها صناديق الاقتراع ستظل شاهدا على أن الأغلبية الساحقة من المشاركين اختارت الاستقلال، وأن المشروع حظي بتأييدٍ شعبي لا يصحّ إنكاره أو التقليل من شأنه.
أما أولئك الذين يهدرون أعمارهم في الحقد والكراهية والشتائم والتقليل من شأن مواقف البارزاني التاريخية، فلن تغيّر ضوضاء الخصومة من حقائق التاريخ شيئا؛ إذ لا ترفع الأصوات المرتفعة قيمةَ المواقف، ولا تمحو الشتائم آثارَ الوقائع. وقد ينجح خصوم القائد في تشويه صورته في لحظة عابرة، أو في استثمار تعثّرٍ سياسي لتحقيق مكاسب آنية، لكنّ حكم التاريخ لا يستقرّ على ضجيج اللحظة، بل على ما تثبته الأحداث وما تكشفه الأيام.
وبعد عقود من الآن، حين تنظر الأجيال الكوردستانية القادمة إلى استفتاء عام 2017، وإلى موقف الرئيس مسعود بارزاني في مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، ستجد أمامها قائدا خاض واحدة من أشد المعارك السياسية حساسيةً في تاريخ القضية الكوردية الحديث، وتمسك بحق شعبه في تقرير مصيره رغم ما أحاط به من مخاطر. وستدرك أن الوقوف في وجه القوى الكبرى، وتحمل تبعات قرارٍ قومي بهذا الحجم، لم يكن أمرا هيّنا، وأن شجاعة القادة لا تُقاس فقط بما يظفرون به من مكاسب، بل كذلك بما يتحمّلونه من أثمانٍ دفاعا عن تطلّعات شعوبهم وكرامتها.
إن محنة الرئيس مسعود بارزاني ليست محنة شخصٍ واحد فحسب، بل هي مرآةٌ لمحنة أمّة لم تستطع، حتى الآن، أن ترتقي بكل قواها إلى مستوى عظمة تطلّعات قائدها. وبين قسوة التوازنات الخارجية وخنجر الخيانة الداخلية، بقي الاستفتاء شاهدا على إرادة شعبية أعلنت موقفها بوضوح، وعلى قائد حمل مشروع الاستقلال إلى لحظة القرار، ودفع من رصيده السياسي والشخصي ثمنا باهظا في سبيله.
غريبٌ في عصره؛ تلك هي المفارقة التي تختزل محنة الرئيس مسعود بارزاني: قائد تقدّمت رؤيته الاستراتيجية على حسابات اللحظة، وحمل تطلّعات أمّته في مواجهة القوى الكبرى، ثم وجد نفسه محاصرا بقسوة التوازنات الخارجية وخناجر الخيانة الداخلية التي اعترضت مشروعه وأضعفت مساره في لحظة تاريخية حرجة. ومع ذلك، مضى حاملا تطلعات شعبه، مستندا إلى إرادة شعبية عبّرت عنها صناديق الاقتراع، في وقت ظل فيه بعض خصومه أسرى حساباتٍ ضيّقة لا تتّسع لأفق تلك التطلعات.
وهكذا تبقى الطريق إلى تحقيق تطلعات الشعب الكوردي محفوفةً بالتحدّيات، لكنّ إرادة الشعب التي نطقت بها صناديق الاستفتاء، وذاكرة التاريخ التي لا تُختزل في خصومات السياسة، ستبقيان شاهدين على أن حلم الاستقلال لم يكن نزوةً عابرة، بل تطلعا قوميا عبّرت عنه أغلبيةٌ ساحقة من المشاركين في استفتاء عام 2017.

قد يعجبك ايضا
∧