إعداد وكتابة: گرميان صلاح الدين (Garmiyan Salahaalden)
جاءَ خبرٌ في الواجهة الرقمية لشبكة “رووداو” الإعلامية حول العثور على رفات إنسان “شاندر” لِيَبعثَ على السرور؛ حيث أثبتَ أن أرض کوردستان لا تزال تحتفظ بأعمق بصمات التاريخ البشري المبكر، وأنها مهدُ الإنسانية الحقيقي. وفي الوقت ذاته، يُفنّد هذا الكشف الروايات التاريخية المزيفة التي صاغتها الشعوب المحتلة الثلاثة وأذنابها بدعم من الاستعمار في القرن الماضي.
فعلى الرغم من كل شيء، يقف “كهف شاندر”—الرابط بين سفوح جبل “برادوست” الشاهقة في إقليم کوردستان—ليس مجرد مأوى طبيعي، بل كـ “متحف حي وروحي وفيزيائي للإنسانية”، وشاهدٍ على فجر الوجود البشري على كوكب الأرض.
على مدى عقود طويلة، ذهبت النظريات العلمية والأثرية إلى أن العنف المنظم واستخدام السلاح في النزاعات هما وليدا عصر الاستقرار والمدنية (الحَضَر)، ونشأة الزراعة، وملكية الأراضي. غير أن الاكتشافات الحديثة داخل كهف شاندر قلبت هذه المفاهيم رأساً على عقب، وكشفت النقاب عن صفحة مطوية من تاريخ البشرية السحيق؛ تعود بنا مباشرة إلى عهود ما قبل مجتمعات الصيد والنزاعات الجغرافية على مناطق الصيد، وذلك استناداً إلى الدلائل التالية:
١. جرح الـ ١٥ ملم: أقدم أداة قتل في الشرق الأوسط والعالم
خلال التحليلات الدقيقة لرفات هيكل عظمي لرجل من إنسان “النيانديرتال” اكتُشف داخل الكهف، ذُهل علماء الآثار عند ملاحظتهم جرحاً قاطعاً بعرض 15 ملم على كتفه الأيسر. وقد جاءت التحليلات من المنظور العسكري مطابقة لاستنتاجات علماء الآثار من حيث:
تقنية الشق وطبيعته: تشير الدراسات العلمية إلى أن الجرح نتج عن طعنة بـ “رمح خشبي مدبّب ومقوّى بالنار”. اخترق الرمح الصدر مروراً بين الأضلاع، ليقطع الرئتين والقلب وينفذ من الظهر.
نتيجة التدريب وتصميم السلاح: إن صناعة سلاح يمتلك القدرة على اختراق الجسد البشري بهذه القوة والدقة تُعد مؤشراً على الإدراك المبكر لإنسان النيانديرتال بمناهج الحرب والصيد، لا سيما بعد اكتشاف استخدام النار لتقسية أطراف الرماح الخشبية وتدبيبها.
الأهمية التاريخية: يُصنّف هذا الدليل كأقدم دليل حاسم على استخدام السلاح بقصد القتل على مستوى الشرق الأوسط والعالم.
٢. الأبعاد المتناقضة لحياة النيانديرتال في شاندر
ما يميز كهف شاندر عن بقية المواقع الأثرية في العالم هو احتواؤه على بعدين سلوكيين متناقضين تماماً للإنسان القديم:
🔹 بعد العاطفة والتضامن (نسائم الرحمة):
اكتشاف الهيكل العظمي لـ “شاندر 1” (والذي كان يعاني من إعاقات وفقدان للبصر، وظل يحظى بالرعاية والدعم حتى سن متأخرة).
طقوس دفن الموتى برفقة الزهور والنباتات الطبية (وهو ما يُعرف بـ “إنسان الزهور”، والذي قمت بزيارة منطقه عام 2019 وأطلقت عليها منطقياً “أمة الزهور G”).
أثبتت هذه الدلائل أن إنسان النيانديرتال كان يمتلك مشاعر، وتضامناً مجتمعياً، وطقوساً روحية.
🔶 بعد النزاع والعنف (رمح شاندر):
أظهر هذا الكشف الجديد أنه إلى جانب العاطفة والرعاية لأفراد المجموعة، كان هناك نزاع دامي وحروب على أقاليم السيطرة، أو الغذاء، أو السلطة بين المجموعات المختلفة.
٣. کوردستان: مركز الاستمرارية في التاريخ البشري
كان الموقع الجغرافي لكوردستان—ولا سيما سلسلة جبال زاگروس—دوماً نقطة التاء للمراحل التحولية الحاسمة في تاريخ الإنسانية عبر مختلف العصور:
عصر سكنى الكهوف والصيد: يُعد كهف “شاندر” وكهف “هزارميرد” نموذجَيْن علمِيَّيْن بارزَيْن لهذه المرحلة.
الانتقال نحو الزراعة والاستئناس: تُعتبر المنطقة مركز العصور الحجرية للانتقال إلى عصر الزراعة وتدجين الحيوانات كما في (قرية چەرمۆ / جَرمو). وقبل ذلك، ما كشف عنه تل “مرادان” في شمال كوردستان والذي يسبق “جرمو” بـ 5000 عام. ووفقاً للكتب والدراسات الصادرة عن الأستاذ “سوراني حمه رش”، فإن مجتمع “جرمو” شهد البدايات الأولى للكتابة قبل السومريين عبر استخدام الأختام والأقراص الطينية لتصنيف وفرز الحبوب والمنتجات الزراعية.
الخاتمة
إن دليل القتل بالرمح في كهف شاندر ليس مجرد توثيق لحدث عنف قديم؛ بل هو إثباتٌ على أن أرض كوردستان كانت شاهدة على تشكّل البدايات الأولى للمفاهيم السلوكية المعقدة للإنسان—من الحب والرعاية والإيثار، وصولاً إلى النزاع وصناعة السلاح، بل وحتى الزراعة والكتابة والتطور التكافلي للبشرية عبر المراحل المختلفة.
يواصل كهف شاندر إمداد علم الآثار العالمي بدروس ومعارف جديدة. لقد أثبتت هذه الحقيقة الجديدة أن تاريخ البشرية سلسلة متصلة من التعقيدات السلوكية، وأن أرض كوردستان كانت المهد الذي صِيغت فيه العديد من المفاهيم الاجتماعية والأخلاقية والعسكرية الأولى للإنسان.
وحان الوقت اليوم للعمل على تدويل هذه الأدلة وتحويلها إلى ركيزة علمية ووطنية، وإنتاج المزيد من البحوث والدراسات التحليلية في الجامعات والمؤسسات العلمية، ولا سيما باللغات العالمية الحية.
أيها الكوردي.. لا تتجاهل تاريخك أبداً!