صيحة من قمم خيزان انتفاضة بدليس 1914: حين حمل مشايخ الكورد البندقية

إعداد وتحرير: ماهين شيخاني.

تمهيد: حين غادرت الدولة دينها

في مطلع القرن العشرين، كانت الإمبراطورية العثمانية تتداعى. وفي كردستان العثمانية، كان جمعية الاتحاد والترقي قد أطاحت بحكم السلطان عبد الحميد، وبدأت تنفذ سياساتها المركزية القاسية. ومع كل قرار جديد، كان الكورد يشعرون أن الدولة تبتعد عنهم، لا جغرافياً فقط، بل دينياً وأخلاقياً.

في منطقة خيزان، حيث الجبال تلامس السماء، وحيث الطرق الصوفية تضرب جذورها في القلوب، بدأت تتشكل بذرة مقاومة. لم تكن مقاومة عادية. كان قادتها رجال دين، لكنهم حملوا السلاح. كانوا مشايخ، لكنهم تحدثوا بلغة السياسة. كانوا ثلاثة: الملا سليم، والسيد علي، والشيخ شهاب الدين.

أولاً: القادة الثلاثة

الملا سليم (خليفة سليم): العالم والشيخ النقشبندي من خيزان، الذي تلقى تعليمه الديني في المنطقة. كان العقل المدبر للانتفاضة، والمحرك السياسي الذي سعى لبناء تحالفات خارجية. تولى تنظيم الصفوف، وأعلن الانتفاضة ضد حكومة الاتحاد والترقي.

السيد علي (ابن الشيخ جلال الدين): من خيزان، كان الرجل الذي مزج النفوذ الروحي بالقوة الميدانية. قاد المقاتلين في مواجهة القوات العثمانية، وكان من أبرز وجوه الانتفاضة.

الشيخ شهاب الدين: من قرية باكوسان (Samanyolu)، كان من أبرز علماء المنطقة. وُجدت في حوزته رسائل تحث على “الجهاد” ضد الحكومة، مما يؤكد البعد الديني للانتفاضة.

ثانياً: لماذا اشتعلت الانتفاضة؟

لم تكن الانتفاضة وليدة لحظة واحدة. كانت تراكماً لسنوات من الغضب:

· الضرائب الجديدة: ضريبة الأغنام (ağnam) والضرائب الأخرى التي أثقلت كاهل الفلاحين.
· التجنيد الإجباري: الذي فرضته الحكومة على الكورد، لكنه لم يُطبق على غير المسلمين في بعض المناطق، مما أثار الشعور بالظلم.
· الشعور الديني: اعتبر كثيرون أن حكومة الاتحاد والترقي “خرجت عن الشريعة”.
· الخوف من فقدان الحكم الذاتي: كانت هناك مخاوف من أن الإصلاحات الجديدة ستقضي على النفوذ المحلي للمشايخ والأغوات.

ثالثاً: اندلاع الانتفاضة

في 8 مارس 1914، تحركت القوات العثمانية لاعتقال الملا سليم في زاوية خيزان. لكن 200 مقاتل كوردي هاجموا القوة المرافقة، وتمكنوا من تحريره.

في 1 نيسان/أبريل 1914، هاجم المقاتلون ضواحي بدليس. تجمع نحو 300 زعيم عشائري مع 8,000 مقاتل. حاصروا المدينة، واستولوا عليها في 2 نيسان/أبريل.

لكن القوات العثمانية لم تنتظر. أرسلت تعزيزات من موش ووان، واستعادت المدينة في 4 نيسان/أبريل.

رابعاً: النهاية التراجيدية

بعد الهزيمة، بدأت حملة قمع وحشية:

· الإعدامات: أُعدم ما بين 15 و18 من قادة الانتفاضة، من بينهم السيد علي وابنه صلاح الدين.
· الملا سليم: قُبض عليه وأُعدم لاحقاً.
· البعض لجأ إلى القنصلية الروسية في بدليس، محاولاً النجاة.

خامساً: لماذا فشلت الانتفاضة؟

1. قلة الدعم الشعبي: رغم مشاركة 8,000 مقاتل، فإن كثيراً من الأهالي لم يدعموا الانتفاضة، وبعض المشايخ وقفوا مع الحكومة.
2. التفوق العسكري العثماني: القوات النظامية كانت أفضل تسليحاً وتدريباً.
3. غياب الدعم الدولي الفعلي: رغم الاتصالات مع روسيا، لم تتدخل روسيا عسكرياً لدعم الانتفاضة.
4. التوقيت: انشغال القوى الدولية بالتحضير للحرب العالمية الأولى.

سادساً: الإرث

فشلت انتفاضة بدليس عسكرياً، لكنها تركت إرثاً:

· أثبتت أن المشايخ الكورد لم يكونوا بعيدين عن السياسة، بل كانوا في طليعة المقاومة.
· كشفت حجم الغضب الكوردي من سياسات التتريك والمركزية.
· مهدت الطريق لاحقاً لانتفاضات كوردية أخرى في المنطقة.

غوك ميدان في بدليس، حيث أُعدمت جثث القادة، ما زالت شاهداً على لحظة تاريخية تجاسر فيها الكورد على الحلم بالحرية.

قد يعجبك ايضا
∧