ریناس ادریس پەرەخی
في وقت يخوض فيه العراق تحولات سياسية معقدة، تمر هذا العام ٢١ عاماً على إقرار الدستور العراقي لعام ٢٠٠٥، وهو الدستور الذي حظي عند استفتائه بترحيب واسع واُعتبر المرجع الأساسي والسبيل الوحيد للخروج من أزمات البلاد. لكن مع الأسف، وبعد مرور عقدين من الزمن، لم تشهد البيئة السياسية في العراق أي تقدم حقيقي، بل تحولت إلى عرصة للانتهاكات المستمرة ولتفسير المواد الدستورية وفق أهواء سياسية لضرب الكيان الفيدرالي لإقليم كردستان. واليوم، عندما ننظر إلى واقع تطبيق الدستور، يتجلى موقف سلبي من السلطة الاتحادية في بغداد تجاه الحقوق الدستورية لشعب كردستان، مما يطرح تساؤلات جادة حول مصداقية السلطات في الالتزام بالدستور.
حجم النكسة ونسبة المواد غير المطبقة
إذا نظرنا بنظرة منصفة إلى مواد الدستور العراقي، يتبين أن ما يقارب خمسة وخمسين إلى ستين بالمئة من المواد الجوهرية الخاصة بإدارة الدولة وحقوق الأقاليم والصلاحيات المشتركة (أي أكثر من نصف الدستور) إما تمت إهمالها بالكامل أو جرى تأويلها بما يخدم المصالح السياسية للحكام في بغداد. ومن بين هذه المواد الكثيرة، تكمن المشكلة الأساسية في أن البنود المتعلقة بالتعايش والعدالة وتوزيع السلطات والحقوق الاقتصادية كثيراً ما جرى تعطيلها. فعندما تحتاج بغداد للشرعية الدستورية تلجأ لمواد الفيدرالية، ولكن حين يصل الأمر إلى تنفيذ الحقوق المالية والإدارية للإقليم، تتجاهل تلك البنود وتمنع دخولها حيز التنفيذ.
المواد الهامة التي جرى إهمالها بالكامل
هناك العديد من الملفات والمواد الحساسة التي حدد الدستور أطراً زمنية لتطبيقها، لكن السلطة الاتحادية غضت الطرف عنها وعرقلت تنفيذها. ومن أبرزها المادة مئة وأربعون الخاصة بتطبيع الأوضاع والإحصاء والاستفتاء في المناطق المتنازع عليها مثل كركوك وغيرها، حيث تقف بغداد لليوم وبعد ٢١ عاماً ضد تطبيقها، ممّا يترك آلاف العوائل تنتظر العدالة الدستورية. وكذلك المادة مئة واثنا عشر المتعلقة بإدارة النفط والغاز بشكل مشترك بين الحكومة الاتحادية والإقليم، حيث تم إهمالها وتعمَدت السلطات تعطيل تشريع قانون النفط والغاز ليبقى ملفاً للضغط الاقتصادي. بالإضافة إلى ذلك، فإن المادة خمسة وستين الخاصة بتأسيس مجلس الاتحاد لحماية حقوق الأقاليم والمحافظات لم تُنفذ حتى الآن، كما احتكرت بغداد الصلاحيات المشتركة الواردة في المادتين مئة وثلاثة عشر ومئة وأربعة عشر.
الاستغلال السيئ للدستور ضد إقليم كردستان
إن أسوأ نهج اتبعتها السلطات في بغداد مع الدستور هو التعامل معه لا كعقد اجتماعي وأداة أمان، بل كأداة سياسية ووسيلة للعقاب ضد إقليم كردستان. ويتضح ذلك في التراجع عن مفاهيم الفيدرالية من خلال قرارات المحكمة الاتحادية لتفريغ صلاحيات الإقليم وإعادة تكريس النظام المركزي. كما أن سياسة قطع الموازنة واستغلال رواتب الموظفين كشيك ضغط يمثل خرقاً صريحاً للحقوق الدستورية التي توجب توفير الحياة الكريمة لجميع المواطنين. كما أن التفسير الانتقائي والأحادي للمواد الدستورية يتيح لبغداد تطبيق ما يلائم سلطتها والالتفاف على الحقوق القانونية والفيدرالية الخاصة بـإقليم كردستان.
بعد ٢١ عاماً، تبقى الرسالة الأساسية هي أن الأزمة في العراق ليست في غياب النص الدستوري، بل في غياب الإرادة السياسية وغياب الإيمان الحقيقي بالتعايش والشراكة الفيدرالية لدى القائمين على السلطة في بغداد. وإلى أن تعود بغداد للالتزام التام بالدستور وتطبيقه بروح العدالة وبعيداً عن المصالح الضيقة، لن يشهد العراق استقراراً دائماً، وسيظل إقليم كردستان متمسكاً بحقوقه الدستورية وموقفه القانوني والقومي.