بين انتقاد التهميش ومراجعة الأداء السياسي

شريف علي

لا شك أن المؤسسات البحثية التي تناقش القضية الكوردية مطالبة بمراعاة التعددية السياسية، وإتاحة المجال أمام مختلف التيارات والقوى الكوردية لعرض رؤاها ومواقفها،. ومن هذا المنطلق، فإن ما لوحظ من خلل في اختيار المشاركين وتنظيم الجلسات الحوارية في ملتقى ميري 2026 بمدينة هولير، عاصمة إقليم كوردستان، يستحق النقاش والمراجعة، خصوصاً فيما يتعلق بتمثيل القضية الكوردية في سوريا وبقية أجزاء كوردستان.
وفي هذا السياق، جاء الموقف الصادر عن مقر الرئيس مسعود بارزاني في 13 تشرين الأول 2026 منتقداً إخفاق الملتقى في مراعاة التعددية السياسية وإشراك الأطراف السياسية من أجزاء كوردستان الأخرى بصورة مناسبة ولائقة، سواء من خلال توجيه الدعوات أو تنظيم الجلسات الحوارية. كما حذّر من أن هذا النهج قد يسهم في تعميق التفرقة والانقسام بين أبناء شعب كوردستان، مؤكداً أن ملتقى ميري لا يمت إلى مقر بارزاني بصلة.
هذا الموقف يعكس عتراضاً واضحاً على آليات تنظيم الملتقى ومستوى مراعاته للتمثيل العادل، وهو ما يتجاوز الخلاف حول قائمة المدعوين ليطرح قضية أوسع تتعلق بحق مختلف القوى السياسية الكوردية في الحضور والمشاركة في النقاشات التي تتناول مستقبل شعبها. كما أن الصلة المؤسسية بين معهد ميري والاتحاد الوطني الكوردستاني تجعل من المشروع التساؤل عن مدى انعكاس الاعتبارات الحزبية على اختيار المشاركين وتحديد موضوعات النقاش، من دون أن يعني ذلك الجزم بوجود دوافع أو قرارات غير مثبتة .
ومن المهم، في هذا الإطار، التعامل مع مواقف قيادة إقليم كوردستان وتقديراتها لواقع غرب كوردستان باحترام، نظراً إلى خبرتها السياسية ومعرفتها بطبيعة القوى الفاعلة فيه وتوازناتها. وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول انتقاد تنظيم الملتقى إلى خلافات جديدة أو تبادل للاتهامات بين القوى الكوردية، بل إلى فرصة لتأكيد ضرورة الشراكة السياسية وتجاوز أسباب الانقسام.
غير أن رفض التهميش لا يلغي ضرورة مراجعة المجلس الوطني الكوردي لأدائه السياسي والدبلوماسي، وتقييم مدى حضوره وتأثيره في مسار الأحداث والتحولات المتسارعة في سوريا والمنطقة. فعدم توجيه الدعوة إليه، سواء أكان نتيجة قرار متعمد أم لاعتبارات أخرى، لا يعني انتهاء دوره السياسي أو انتفاء الحاجة إليه، لكنه يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعة علاقاته بالمؤسسات البحثية ومراكز القرار، ومستوى تواصله مع القوى الإقليمية والدولية، ومدى فعاليته السياسية وتأثيره في الساحة السورية عموما وقدرته على إيصال رؤيته بشأن مستقبل القضية الكوردية في سوريا.
فالمشاركة في الملتقيات السياسية والبحثية لا تعني بالضرورة الموافقة على توجهات الجهات المنظمة، بل قد تتيح فرصة لعرض المواقف وتوضيح الاعتراضات والدفاع عن الرؤى السياسية أمام الأطراف المعنية. وفي المقابل، قد تكون المقاطعة خياراً مبرراً عندما تغيب شروط المشاركة العادلة والحوار المتوازن. لذلك، فإن تقييم أي من الخيارين ينبغي أن يستند إلى أهدافه ونتائجه السياسية المتوقعة، لا إلى ردود الفعل وحدها.
إن التمثيل السياسي لا تحميه الشعارات، ولا يكفي أن يعلن أي طرف أنه يمثل القضية الكوردية؛ بل يتطلب حضوراً فاعلاً، وعلاقات سياسية ودبلوماسية مؤثرة، ومبادرات قادرة على الوصول إلى مراكز القرار والمساهمة في صياغة مستقبل المنطقة .
ومن يريد أن يكون شريكاً في تقرير مستقبل القضية الكوردية، عليه أن يجمع بين المطالبة بحقه في المشاركة والعمل على تعزيز قدرته على التأثير.
وفي الوقت نفسه، لا يجوز استخدام الدعوة إلى مراجعة أداء المجلس الوطني الكوردي للتقليل من أهمية التعددية أو تبرير إقصائه، كما لا ينبغي أن تتحول المطالبة بتمثيله العادل إلى مبرر لإعفاء أدائه السياسي من النقد والتقييم. فالمسؤولية متبادلة: تقع على الجهات المنظمة مسؤولية اعتماد معايير واضحة وشفافة تضمن التعددية والإنصاف، وتقع على القوى السياسية مسؤولية تطوير أدواتها الدبلوماسية وتوسيع علاقاتها وحضورها في المساحات التي تُناقش فيها القضايا المتعلقة بمستقبل الشعب الكوردي .
إن موقف الرئيس مسعود بارزاني يعيد التأكيد على أهمية التمثيل العادل، ويحذر من أن تجاهل التعددية قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات بدلاً من فتح المجال أمام الحوار والتقارب. وتقتضي معالجة هذه الإشكالية مراجعة آليات تنظيم الملتقيات ومعايير المشاركة فيها، بالتوازي مع تقييم أداء القوى السياسية المعنية، وفي مقدمتها المجلس الوطني الكوردي، استناداً إلى الوقائع والنتائج لا إلى الانطباعات وحدها .
فالقضية الكوردية أكبر من الخلافات الحزبية، والمرحلة الراهنة تتطلب الانتقال من سياسة ردود الفعل إلى سياسة المبادرة والتأثير وبناء الشراكات. وفي المحصلة، فإن ضمان التعددية والتمثيل العادل، إلى جانب مراجعة الأداء السياسي والدبلوماسي، يشكلان شرطين متكاملين لتعزيز فاعلية العمل السياسي الكوردي. فالمطلوب ليس مجرد حضور شكلي في الملتقيات، ولا الاكتفاء بالاعتراض على آليات تنظيمها، بل بناء قدرة سياسية تتيح للقوى الكوردية الدفاع عن حقوق شعبها والتأثير في القرارات المتعلقة بمستقبله.
وتبقى المصلحة القومية الكوردية هي المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به المواقف والقرارات، بما يضمن الجمع بين عدالة التمثيل وفاعلية الأداء، ويعزز الشراكة السياسية ووحدة الصف الكوردي، ويصون حق الشعب الكوردي في أن يكون شريكاً حقيقياً في تقرير مستقبله.

قد يعجبك ايضا
∧