محسن دزه ايي
تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).
يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.
الجزء السادس والخمسون
خلاصة المؤامرة
كان البارزاني الراحل بطبيعته شخصاً كريماً ومتواضعاً جداً ومضيافاً، يحترم زائريه وضيوفه، وكان لرجال الدين من كافة المذاهب مكانة خاصة لديه وأهتمام وتقدير كبيرين. ومن ضمن الذين زاروه في مقره كان وفداً من رجال الدين من السنة والشيعة، فرحب بهم البارزاني كعادته وأكرمهم واستـضافهم أحسن ضيافة، وتطرق الوفد الى مختلف المواضيع والعلاقات مع الحكومة المركزية والمشاكل العالقة والعقبات في طريق تنفيذ بنود اتفاق آذار، وكان البارزاني يؤكد دوماً حرصه على تنفيذ الاتفاقية وحرصه على مصلحة الوطن وحبه للسلام، وعاد الوفد الى بغداد بعد يوم أو يومين عـلى أن يقوم بزيارة أخرى للمنطقة.
كان الوفد يرأسه المدعو (عبدالحسين الدخيلي) وأعتقد أنه كان من رجال الأمن بزي رجال الدين أو أنه كان رجل دين حقيقي، ولكنه كان من عمـلاء اجهزة الأمن وكان الوفد مؤلفاً من عشرة أو أحد عشر شخصاً آخرين جميعهم يرتدون ازياء رجال الدين، وأعتقد بأن بعضهم كان من رجال الدين الحقيقيين ولايعرفون شيئاً عن مهمتهم الحقيقية. عـاد الوفد في اليوم الثامن والعـشرين من شهـر ايلول بسيـارتين احداهما من نوع الشـوفرليت والأخرى من نوع (جيب ستيشن) كبيرة يقودهما شخصان مدنيان، وصل الوفد عصر ذلك اليوم وأقتيد الى الدار الخاصة لمقابلات البارزاني الذي لم يكن موجوداً في تلك الدار آنذاك، وبعد فترة حضر البارزاني يرافقه الدكتور محمود عثمان عضو المكتب السياسي وطبيبه الخاص ومن المقربين اليه، وبعد أن حيا الضيـوف وسلم عليهم واحداً واحداً، أتخذ مكانه في المقعد المقابل لرئيس الوفد، كما وأتخذ الدكتور محمود مجلسه بجانب البارزاني. أوقـفت أحـدى السـيـارات والتي هي من نوع شوفرليت بعيداً عن مكان الأجتماع بمسافة (20-30) متراً اما السيارة الاخرى فقد اوقفت بجانب جدار الدار وبجانب غرفة الضـيوف بـصورة أدق، وبعد دخول البارزاني شوهد سائق السيارة يفتح غطاء المحرك ويحرك يديه داخله كما وشوهد بأنه يصب الدهن على مختلف أجزاء المحرك. وبعد برهة قليلة دخل أحد الخدم وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره يحمل صينية الشاي ويقدمها للضيوف، وبينما انحنى لتقديم الشاي لرئيس الوفد وأصبح كحاجز بينه وبين البارزاني الجالس قبالته اذا بأنفجار شديد يدوي في الغرفة، فقد انفجر رئيس الوفد الذي كان ملغماً وكان يلبس حزاماً ناسفاً. واستشهد في الحال الخادم الذي كان يقدم الشاي وقتل رئيس الوفد والذي يجلس جنبه وتقطعت أوصالهما، كما وأصيب الآخرون بجروح مختلفة. كما واستشهد أحد افراد البيشمركة وهو الشهيد سليم زبير بارزاني، الذي كان واقفاً عند باب الغرفة ،وبدأ بقية افراد المؤامرة ينهزمون من الغرفة يلاحقهم الحرس. اما البارزاني فلم يصب بأي أذى سوى شظيه صغيرة جداً استـقرت في جلده والتي استخرجها صديقنا الدكـتـور عبدالرزاق الدباغ فيما بعد، كما لم يصب الدكتور محمود عثمان بأذى.
“عـاد الوفد في اليوم الثامن والعـشرين من شهـر ايلول بسيـارتين احداهما من نوع الشـوفرليت والأخرى من نوع (جيب ستيشن) كبيرة. أوقـفت أحـدى السـيـارات والتي هي من نوع شوفرليت بعيداً عن مكان الأجتماع بمسافة (20-30) متراً اما السيارة الاخرى فقد اوقفت بجانب جدار الدار وبجانب غرفة الضـيوف بـصورة أدق، وبعد برهة قليلة دخل أحد الخدم وهو شاب لم يتجاوز الثامنة عشر من عمره يحمل صينية الشاي ويقدمها للضيوف، وبينما انحنى لتقديم الشاي لرئيس الوفد وأصبح كحاجز بينه وبين البارزاني الجالس قبالته اذا بأنفجار شديد يدوي في الغرفة، فقد انفجر رئيس الوفد الذي كان ملغماً وكان يلبس حزاماً ناسفاً. لكن البارزاني لم يصب بأي أذى”
بعد الانفجار وامتلاء الغرفة بالدخان والبارود خرج البارزاني من الغرفة، وفي تلك الاثناء رمى سائق السـيـارة التي خارج الدار قنبلة يدوية نحــوه وأنفجرت دون أن تصيبه، ولكنها أدت الى استشهاد سليم زبير الذي نوهت عنه اعلاه كما وجرح عدد من الحرس أذكر منهم الشهيد عمر آغا محمد (استشهد العام 1995) وكذلك زكي كامل عـقراوي والآثوري آدم الذي كان من حرس مسعود البارزاني الخاص.

بعد وقـوع الانفجار في الغرفة انفجرت السيارة التي كانت بجانب الدار واشتعلت فيها النيران، ولكن لن تؤثر على البناء بسبب سمك جداره وكـذلك لعلو مستواه عن سطح الارض. ولا أدري ان كان الانفـجار الاول قد جرى من قبل حامل المتفجرات نفسه، اذ قيل له بأنه كان عبارة عن مسجل صوت حيث كان عليه أن يضغط على زر معين يسجل حديث البارزاني أم انه قد جرى من قبل السائق بواسطة جهاز السيطرة عن بعد، وهذا هو الرأي الأرجح. قتل السائقان وبقية الافراد من قبل الحرس والمواطنين اثناء تبادل اطلاق النار مع بعضهم. بعد انتهاء الحادث وبعد أن عم الهدوء، جرى الكشف على السيارة الثانية التى اوقفت ووجهتها نحو رواندوز لأستعمالها للفرار من قبل السواق، و جد بأنها ملغومة ايضاً ومليئة بالأصابع الديناميتية والقنابل اليدوية التي كانت مخفية تحت مقاعدها، وتبين بأن هنالك صاروخين مركبين داخل القفص الخاص بالأضوية الخلفية، تنطلق بواسطة الضغط على زر خاص مركب عند السائق وذلك لأستعمالها عند الفرار واطلاقها على السيـارات التي تلحقهم تماماً كما نشاهدها في السينما في الافلام الجيمس بوندية.
وكانت تلك المؤامرة من تدبير وتجهيز ناظم كزار مدير الأمن العام، والذي أعدم فيما بعد لمحاولته قلب نظام الحكم. ولا أدري ان كان ذلك العمل مدبراً من مسؤولين آخرين أعلى مركزاً أو كان من قبل ناظم كزار وحده. وقـد أنكر نائب الرئيس صدام حسين علمه بها فيما بعد.
توتر الجو كثيراً بعد ذلك بين الحكومة المركزية والثورة الكوردية، وقد أصيب أكثر المحيطين بالبارزاني بصدمة وطلبوا قطع العلاقات مع الحكومة وسحب الوزراء والموظفين منها، واختلفت الآراء حول ذلك فمنهم من كان يطالب بالمقاطعة ومنهم من يطلب استقالة الوزراء والمسؤولين الآخـرين، وذهب بعض المتطرفين الى أعلان استئناف القتال. وصل الوزراء الحزبيون مـن بغـداد في ساعة متأخرة من النهار، وفي اليوم التالي لا اذكر بصورة دقيقة وكان الرأي السائد عندهم تهـدئة الموقف واجراء التـحقيق. اما رأى البارزاني نفسه فكان بخلاف كل ذلك وقال بالحرف الواحد: اننى لا اقبل ان تقطع العلاقات أو ينشب القتال من أجلى شخصيأ ،ولا اريد ان يقال بأن البارزاني قد عرض مصلحة الشعب الكوردي للخطر من أجل نفسه، وقد يقال بأنه كان من الأفضل الانتظار حتى انتهاء السنوات الاربع المنصوص عليها فى اتفاقية آذار وعـدم استئناف القتال من قبل الكورد ، وقال بأنني وهبت حياتي لخدمة شعبي ولا أريد المخاطرة بمصلحته من أجلي شخصياً.
وصل الى ناوبردان في اليوم التالي الدكتـور احمد عـبدالستار الجواري وزير التربية، الذي كان يحظى بالأحترام والتقدير من قبل البارزاني وكان انساناً فاضلاً وشخصاً مسالماً وصديقاً للكورد، جاء الجواري مبعوثاً من رئيس الجمهورية أحمد حسن البكر لتهنئة البارزاني عل سلامته ونجاته من المؤامرة، كما ليبين عدم علم البكر وصدام حسين بهذه المؤامرة وانها من تدبير اعداء السلام. كما شكلت لجنة تحقيقية خاصة مشتركة من الجانبين للتحقيق في الحادث برئاسة عميد الشرطة (حامد العاني) الذي كان وكيلاً لوزارة الداخلية في ذلك الوقت، كما حـضر الدكتور أحمد عـزت القـيـسي للكشف عن الجثث وتثبيت بصمات اصابعهم كما جرت العادة عند حدوث كل جريمة، وقد جرى التحقيق دون نتيجة بالرغم من أن الفاعلين والمدبرين ومن يقف ورائهم كان معلوماً لدى قيادة الثورة الكوردية.
مقابلة صدام حسين
بعد مضي ثلاثة أو أربعة أيام على الحادثة، تركت منطقة ناوبردان عـائداً الى أربيل بعد أن استأذنت البارزاني، وكانت وفود المهنئين القادمة من جميع انحاء كوردستان لاتنقطع، وكذلك القادمين من بغداد لتقديم التهاني للبارزاني بنجاته من تلك المؤامرة الكبرى.
. اما رأى البارزاني نفسه فكان بخلاف كل ذلك وقال بالحرف الواحد: اننى لا اقبل ان تقطع العلاقات مع بغداد أو يندلغ القتال من أجلى شخصيأ ،ولا اريد ان يقال بأن البارزاني قد عرض مصلحة الشعب الكوردي للخطر من أجل نفسه، وقد يقال بأنه كان من الأفضل الانتظار حتى انتهاء السنوات الاربع المنصوص عليها فى اتفاقية آذار وعـدم استئناف القتال من قبل الكورد ، وقال بأنني وهبت حياتي لخدمة شعبي ولا أريد المخاطرة بمصلحته من أجلي شخصياً.
وبعد أن أمضيت تلك الليلة في أربيل توجهت الى بغداد واتصـلت بمكتب النائب فحدد لي موعد المقابلة في اليوم نفسه، ولما التقيته تحدثت عن سبب عدم حضوري في الموعد السابق بسبب تلك الحادثة، وعند ذلك قال لي النائب “يقال بأن صدام هو وراء هذه العملية”، فقلت بأن هذا ما يعتقده اكثر المواطنين ولكني لم أسمعه من البارزاني نفسه. عند ذلك قال صدام بشيء من العصبية “قسماً بالله آني ما مسويها، لو آني مسويها ما أخاف من ربي”، اي أنه أقسم بالله بأنه لم يفعلها ولو كان هو الفاعل لقال ذلك دون أن يهاب ربه!! ،فقلت في هذه الحالة من الضروري اجراء تحقيق دقيق في ظروف الحادثة ولابد أن الشخص القائم بذلك هو من أعداء السلام ومن اعداء اتفاقية آذار ويجب محاسبة هؤلاء وبيان جدية الحكومة، ثم تحدث عن أهمية اتفاقية آذار ورغبته الشخصية في تنفيذها لأنها قد تمت على يديه لذا يهمه شخصياً تنفيذها وأنه شخصياً حريص عليها.
ثم تحدثنا عن سبب وجودي في بغداد وسير العمل في السفارة العراقية في براغ، ثم انتهت المقابلة التي أتسمت بطابع البرود بعكس اللقاءات السابقة. فكان والحق يقال أنه دائم الترحيب بي وملبياً لأكثر مطاليبي المتعلقة بعملي أو المراجعات الشخصية التي كنت اقوم بها لقضاء مشاكل الآخرين. وكانت اللقاءات دائماً يغلبها طابع المرح والعلاقات الحسنة. حتى أني عندما كنت اتناول طعام الغداء في أحدى المرات بأحد المطاعم الراقية في المنصور (مطعم فاروق)، (لا اذكر اسم صاحبه رغم انه كان من معارفي) وكان هو المطعم الراقي الوحيد في تلك المنطقة، دخل صدام حسين لتناول طعام الغداء ولما شاهدني حياني وجلس على مائدة أخرى وطلب انضمامي اليه وكان لطيفاً ومتواضعاً جداً آنذاك. ودامت تلك العلاقات الحسنة بيننا حتى نهاية سنة 1973 أو اوائل سنة 1974 ،بعد أن استلمت حقيبة وزارة الاشغال والاسكان قادماً من كندا، بعد أن كنت أول سفير مقيم فيها لمدة قصيرة، وسأورد السبب الذي ادى الى سوء العلاقة بيننا فيما بعد.
وهكذا انتهى اللقاء مع صدام حسين في ذلك الجو الذي غلبت عليه ظروف المؤامرة على حياة البارزاني، ولا استطيع الجزم بعلم صدام حسين بالمؤامرة أو وقوفه خلفها، الا ان بعض الدلائل تشير الى ذلك، ففي الثامن والعـشرين من ايلول صباحاً عندما طلبت مقابلته حدد لي اليوم التالي كموعد للقاء، فهل كان ينتظر نتيجة المحاولة في ذلك اليوم؟! وهل كان منشغلاً بالأعـداد للخطوات المقبلة في حالة النجاح أو الفشل؟!!
ووضعت القوات العسكرية ذلك اليوم في رواندوز وبقية مناطق كوردستـان في أقـصى درجات الانذار، وذلك بسبب توقعات ردود الفعل في حالة النجاح أوالفشل فلا ادري فيما اذا كان ذلك تخطيط لشن هجوم عام في حالة نجاح العملية؛ أو ذلك احتياطاً من هجوم مقابل من الجانب الكوردي انتقاماً للحادث؟ا! ولا ادري ان كان المسؤولون في المراكزالعليا من أمثال البكر وصدام حسين يعلمون بتلك الاجراءات الاحتيـاطية؟! اسئلة لايمكن الاجابة عليها بصورة جازمة وعلى الاقل في حينها.
بعد تلك الحادثة المؤسفة والتي أثرت سلباً بدون شك على مجمل الاوضاع السياسية في البلاد ، وسببت فقداناً للثقة بين قيادة الثورة الكوردية والشعب الكوردي بصورة عامة من جهة والنظام العراقي من جهة اخرى، أخذت السلبيات تتكاثر وتتراكم بعد ذلك وظهرت المشاكل بكثرة واستعصى حلها ،وخاصة بعد أكتشاف المؤامرة الثانية التي كان مـن المفروض ان ينفذها المدعو (ابراهيم كاباري)، ولكنه أعـترف بالحقيقة قبل التنفيذ، ثم أخذت السلطة بعد ان وصلت العلاقات الى أدنى المستويات بأتباع كل الطرق في حبك المؤامرات والدسائس ضد الثورة الكوردية وقيادتها، تارة بتحريض بعض العشائر وتارة بالتدخل في الشؤون الداخلية لأسرة بارزان ومحاولة التفرقة بين أفراد هذه الاسرة، وكذلك بشراء الذمم وأغراء بعض منتسبي الثورة للأنشقاق عنها.
تركت العراق بعد بضعة اسابيع من وصولي وبعد أن وصلت الاوضاع الى تلك الدرجة، من فقدان الثقة وبعد أن ساءت العلاقات الى حد اليأس، عدت الى مقر عملي في براغ وقلبي مليء بالحسرات على ما آلت اليه الاوضاع، وعلى النتيجة التي أنتهت اليها اتفاقية الحادي عشر من آذار سنة 1971 ،والتي كان الجميع يبني عليها قبل أكثر من سنة آمالاً كبار.
وقبل ذلك بمدة قصيرة كان قد أعفى نائب رئيس الجمهورية صالح مهـدي عماش ووزير الخارجية عبدالكريم الشيخلي من مناصبهما الرسمية والحزبية، وعين الأول سفيراً للعراق في موسكو، أما الثاني فقد تم تعيينه ممثلاً دائماً للعراق في الأمم المتحدة في نيويورك، وحل محله مرتضى سعيد عبدالباقي الحديثي في وزارة الخارجية.