سمير ميراني
يبدأ الولاء من حاجة إنسانية قديمة، أن ينتمي المرء إلى شيء أكبر منه، يحميه ويمنح وجوده معنى، هذا الشيء أسماه الناس الوطن.
في البدء يغيب السؤال عن معنى الوطن، يكفي أن يجمع الناس أفقٌ مشترك وذاكرة متقاطعة وأملٌ في الغد، هكذا يولد الولاء المطلق: وطن يحبونه دون شرط، ويقدمون له التضحيات دون حساب، غير أن هذا الولاء يحمل هشاشته في جوهره : رهان صامت لا يملك ضامناً.
يتغير موضع السلطة، فيتغير معه موضع الولاء، يصل إلى الحكم حزب كان يحمل خطاباً كبيراً، ثم يجد نفسه أمام المال والامتيازات، يحدث التحول بهدوء، يتراجع الولاء للوطن ، لأن المصالح تصير أقرب وأوضح، يصبح الكيان الحاكم هو الوطن الجديد، لكن بوطن مصغّر يتسع للأقربين والمستفيدين وحدهم.
ثم يحدث التحول الأعمق، إذ يكتشف الناس أن الولاء للمؤسسة الحاكمة محطة لا نهاية، فالمؤسسة مهما بدت راسخة، ليست إلا وعاءً يحمل اسم من يملأه ، ويتغير الشخص الذي يمسك بالوعاء، فتنتقل معه الامتيازات والعطايا والقرارات، وتبقى المؤسسة اسماً فارغاً خلفه، عندها يفهم الجميع أن الولاء الحقيقي انتقل من الكيان إلى اليد التي توقّع وتمنح وتحجب.
هنا يتفتت الولاء : يتلاشى الوطن الواحد، ويتلاشى معه الكيان الواحد، ويظهر أشخاص تتعدد أسهمهم في النفوس حسب المنفعة، يمنح المرء لهذا نصيباً من ولائه، ولذاك نصيباً آخر، في اللحظة نفسها، فيحمل في قلبه ولاءات متزامنة متفرقة، كأوراق تحمل قيمة مؤقتة، وحدها المصلحة تبقى ثابتة، وصدق لاروشفوكو : المصلحة الخاصة تتكلم بكل اللغات وتلعب كل الأدوار، حتى دور الإخلاص والتضحية، فهي هنا تتقن دور الولاء وهي منه براء.
يظن المستفيدون أن كل شيء ما زال متماسكاً، وتكون التجزئة قد اكتملت فعلاً، فالوطن في نظرهم تحوّل من أمانة يصونونها لذاتها إلى امتياز يديرونه لبقائهم فيه، لذلك تنشغل مصلحتهم باستمرار موقعهم داخله، وتغيب عنها سلامته ووحدته ومصيره، ولو تفتت من حولهم إلى أشلاء، فالوطن في خطابهم كلمة، وفي ممارساتهم امتياز، وفي أعماقهم غياب.
أما الشعب، فليس كتلة واحدة ، فيه من يسكته رغيفه عن سؤال الانتماء، وفيه من يقايض صمته ببقائه، وفيه من يشارك اللعبة بولاءات صغيرة طلباً للنجاة ، وفي سلاسل الخضوع المتوارثة، يصنع كل خاضع سيده الصغير : يخضع في الصباح، ويُخضِع غيره في المساء، هكذا يدفع الجميع ثمن وطن لم يعد يسعهم، ويسددون فواتير ولاءات يملكون منها الفتات فقط.
ومع اكتمال التجزئة ، يبقى السؤال الأخلاقي معلقاً : هل يستطيع إنسان أن يستعيد شعوره بالانتماء، بعد أن صار هذا الشعور سلعة يوزعونها بحسب المنفعة؟.