أوس محيي الدين.. حارس إرثٍ ثقافي

محمد علي محيي الدين

وُلد أوس عبد الرزاق بن الشيخ أمان محيي الدين في بغداد عام 1946، ونشأ في بيتٍ كان العلم فيه أكثر من تحصيلٍ دراسي، إذ كان جزءًا من تقاليد الأسرة وذاكرتها وامتدادها الاجتماعي والثقافي. أتم دراسته الابتدائية والثانوية في بغداد، في الفرع الأدبي، ثم انتقل إلى النجف الأشرف، حيث جمع بين العمل التجاري ومواصلة دراسته العلمية، فالتحق بكلية الفقه، وتخرج فيها حاصلًا على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية وعلوم الشريعة، لتتكوّن شخصيته من تآلفٍ واضح بين الثقافة الأدبية والتكوين الشرعي، وبين الحياة العملية والاهتمام بالشأن الثقافي.
بعد عودته إلى بغداد، واصل عمله الذي بدأه في النجف، غير أن مسار حياته اتخذ منعطفًا جديدًا بعد وفاة والده، إذ آلت إليه مسؤولية إدارة شؤون البيت والأسرة، وهي مسؤولية لم تكن سهلة في أسرة ارتبط اسمها بالعلم والثقافة والمجالس الفكرية. ولم يتعامل أوس مع هذه المسؤولية بوصفها واجبًا عائليًا فحسب، بل حمل معها عبئًا ثقافيًا تمثل في الحفاظ على مجلس آل محيي الدين، ذلك المجلس الأسبوعي الذي كان فضاءً للعلم والأدب والحوار وتبادل الأفكار، وملتقى لعدد من المثقفين والباحثين والمهتمين بالشأن الفكري.

Screenshot

وقد شارك أوس في إدارة هذا المجلس مع شقيقه الدكتور علي عبد الرزاق محيي الدين، ولا سيما بعد سفر الدكتور زهير وإقامته في عمّان، فكان وجوده في المجلس امتدادًا طبيعيًا للدور الذي أداه والده، وإن اتخذ أسلوبه الخاص في التعامل مع رواده وضيوفه. ولم يكن المجلس بالنسبة إليه مجرد حلقة ثقافية تقام في أيام محددة، وإنما مؤسسة أهلية صغيرة تؤدي وظيفة معرفية واجتماعية في آن واحد؛ تجمع الناس حول الكتاب والبحث والحوار، وتتيح للباحث أن يعرض فكرته، وللمثقف أن يجد من يصغي إليه، وللأجيال الجديدة أن تتصل بتقاليد ثقافية كانت المجالس العراقية قد عُرفت بها.
وفي هذا السياق تأتي شهادة الدكتور رضا جواد البصري، التي أوردها في مقاله الموسوم «مجلس آل محيي الدين مدرسة الأجيال وجامعة الفكر الشامل »، وهي شهادة تكشف جانبًا إنسانيًا بالغ الأهمية من شخصية أوس. فقد وصفه البصري بأنه شخصية محببة إلى النفوس، تجمع سمو الأخلاق والكرم وحسن الاستقبال، وأشار إلى ابتسامته الدائمة وحرصه على الترحيب بالداخلين إلى المجلس وتوديعهم عند مغادرتهم. ولم يكن ذلك الترحيب شكليًا أو بروتوكوليًا، بل كان جزءًا من شخصية الرجل ومن فهمه لطبيعة المجلس باعتباره بيتًا للمعرفة لا يكتمل حضوره إلا بحسن التعامل بين رواده.
ومن اللافت في شهادة البصري أن أوس، على الرغم من تخصصه في علوم الشريعة وكونه رجل فقه وأدب، لم يكن أسير اختصاصه، بل كان يمتلك ثقافة علمية رصينة جعلته قادرًا على متابعة ما يدور في المجلس من بحوث ونقاشات. وكان يمارس دوره في هدوء بعيد عن الأضواء؛ فيخدم ضيوف المجلس بنفسه، فيقدم الماء أو القهوة، ويشرف على تنظيم البحوث وترتيبها، ويتولى التواصل مع المشاركين وطلب إعداد المقالات والدراسات التي تُعرض في أيام الثلاثاء. وتبدو هذه التفاصيل، في ظاهرها، بسيطة، لكنها تكشف عن شخصية ترى أن خدمة الثقافة لا تنفصل عن خدمة أهلها، وأن إدارة مجلس فكري لا تقوم على الكلام وحده، بل تحتاج إلى التنظيم والالتزام والقدرة على جمع الناس حول هدف مشترك.
ويشير المصدر نفسه، كما نقل في كتاب «هؤلاء في مرايا هؤلاء»، الجزء الرابع، ص252، إلى أن أوس كان يمتلك من المحبة والأدب وحسن الخلق ما يجعل من الصعب على من يطلب منه بحثًا أو مشاركة في المجلس أن يرفض طلبه. وهذه الشهادة مهمة لأنها لا تقدم أوس بوصفه صاحب مسؤولية إدارية فحسب، بل تضع أمامنا صورة المثقف الذي كانت علاقته بالآخرين تقوم على المودة والاحترام، وهي صفات أسهمت في استمرار المجلس وحيوية نشاطه.
وإذا كان أوس قد اضطلع بهذا الدور في حياة المجلس، فإن أثره الأعمق ربما ظهر في علاقته بتراث والده الراحل، إذ أدرك مبكرًا أن رحيل العالم والمثقف لا يعني انتهاء أثره، وأن ما يكتبه الناس عنه بعد وفاته يمكن أن يصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية إذا وجد من يجمعه ويحفظه. ولذلك كرّس جانبًا كبيرًا من جهده لجمع كل ما كتب أو قيل عن والده بعد رحيله عام 1983، متابعًا ما نشرته الصحف والمجلات من مقالات وبحوث ودراسات، ثم عمل على جمعها وتوثيقها وترتيبها وتبويبها.
ولم يكن هذا العمل مجرد عناية بذكرى الأب، -وإن كان الوفاء حاضرًا فيه بقوة-، بل كان في جوهره عملًا توثيقيًا له قيمة تتجاوز حدود الأسرة. فالمادة التي جمعها أوس أصبحت مصدرًا أساسيًا في إعداد الجزأين التاسع عشر والعشرين من الموسوعة التي تناولت تراث والده ومسيرته، وهو ما يمنح جهده أهمية خاصة في حفظ المادة التي كان يمكن أن تتشتت بين الصحف والوثائق الخاصة والذاكرة الشخصية. وهنا تتحول المحبة العائلية إلى فعل ثقافي؛ فالابن لا يحافظ على صورة أبيه في ذاكرته فقط، بل يسعى إلى أن يجعل تلك الصورة متاحة للباحثين والقراء والأجيال اللاحقة.
وكان من أبرز ما قام به أيضًا استنساخ الصحف القديمة التي احتفظ بها والده، وهي وثائق ذات قيمة كبيرة بالنسبة إلى الباحثين في تاريخ العراق الثقافي والفكري. فالصحيفة القديمة ليست مجرد ورقة مضى زمنها، وإنما سجل لمرحلة تاريخية بما تحمله من مقالات وأخبار وآراء وإعلانات وأسماء، ولذلك فإن المحافظة عليها وإعادة نسخها تعني المحافظة على جزء من ذاكرة العصر. وقد أسهمت هذه المواد في رفد مجموعة الاعمال الكاملة لوالده الدكتور عبد الرزاق محيي الدين التي أُعدت عن تراث والده وإخراجها بصورة أكثر اكتمالًا.
وإلى جانب اهتمامه بالتراث العائلي والثقافي، عمل أوس في المجال التعليمي، فبعد تخرجه من كلية الفقه عمل فيها فترة، ثم انتقل إلى التدريس في المدارس الثانوية العراقية، وظل يؤدي هذه المهمة إلى أن أُحيل على التقاعد. ويبدو هذا المسار متسقًا مع تكوينه العلمي؛ فالتعليم بالنسبة إليه لم يكن بعيدًا عن الثقافة التي عاش في بيئتها، بل كان امتدادًا لها، ولا سيما أن دراسته في اللغة العربية وعلوم الشريعة منحته أدوات معرفية تؤهله للتعامل مع التربية واللغة والفكر.
كما واظب، إلى جانب أشقائه، على إحياء مجلس والده بعد رحيله، ولم يكتف بالمحافظة على شكله التقليدي، بل اهتم بمكتبة الوالد، فعمل على صيانتها وإبقائها حية وإثرائها بالكتب الجديدة. والمكتبة في مثل هذه البيوت ليست مجموعة من الكتب فحسب؛ إنها ذاكرة مكتوبة للأسرة وللحقبة التي عاشت فيها، ومن ثم فإن الحفاظ عليها يمثل استمرارًا لرسالة صاحبها، وإبقاءً لجسر المعرفة مفتوحًا بين الماضي والحاضر.
ومن هنا يمكن النظر إلى شخصية أوس محيي الدين من زاويتين متكاملتين: فهو من جهة رجل عاش حياته في إطار العمل والتعليم والأسرة، ومن جهة أخرى كان أمينًا على ذاكرة ثقافية وجد نفسه مسؤولًا عنها. لم يكن حضوره قائمًا على البحث عن الشهرة أو الظهور، وإنما على العمل الهادئ الذي غالبًا ما لا يلتفت إليه الناس إلا بعد غيابه. فقد كان يجمع المقالات، ويحفظ الصحف، ويرتب البحوث، ويتابع المجلس، ويعتني بالمكتبة، ويهيئ للباحثين مادة كان يمكن أن تضيع لولا جهده.
وهذه الأعمال الهادئة هي التي منحت سيرته معناها الخاص؛ فبعض الشخصيات تترك أثرها من خلال الكتب التي تؤلفها أو المناصب التي تتولاها، فيما يترك آخرون أثرًا مختلفًا من خلال حفظ ما تركه السابقون وإيصاله إلى من يأتي بعدهم. وأوس محيي الدين ينتمي إلى هذا النوع الثاني؛ فقد كان حلقة وصل بين جيل والده ومن جاء بعده، وحارسًا لذاكرة لم يرَ أن الوفاء لها يكون بالرثاء وحده، بل بالعمل المتواصل على جمعها وترتيبها وإتاحتها.
ظل مواظبًا على هذا الجهد حتى رحيله المفاجئ في السادس والعشرين من أيار عام 2021، بعد حياة امتدت خمسة وسبعين عامًا، قضى جانبًا مهمًا منها بين العلم والتعليم والتجارة والمجلس الثقافي وخدمة تراث الأسرة. وبغيابه فقدت أسرة آل محيي الدين واحدًا من أبرز القائمين على استمرار مجلسها والعناية بمكتبتها وتراثها، كما فقدت الذاكرة الثقافية العراقية رجلًا أدرك قيمة الوثيقة قبل أن تضيع، وقيمة الكتاب قبل أن يُهمل، وقيمة المجلس حين يكون فضاءً للحوار والمعرفة.
وهكذا لا تُختزل سيرة أوس محيي الدين في تاريخ الميلاد والدراسة والعمل، بل تتسع لتشمل معنى الوفاء للعلم وأهله، والقيام بمسؤولية الذاكرة حين تصبح أمانة في عنق صاحبها. وإذا كان والده قد ترك وراءه تراثًا علميًا وأدبيًا، فإن أوس اختار أن يكون أحد حراسه، يجمع شتاته ويحفظ مصادره ويصون مكتبته ويواصل مجلسه. ومن هذه الزاوية تكتسب حياته دلالتها الأهم: فقد عاش قريبًا من الثقافة، وخدمها بعيدًا عن الضجيج، ثم ترك وراءه عملًا توثيقيًا جعل حضوره ممتدًا في ما حفظه للآخرين. فرحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما بذله في خدمة العلم والتراث والناس في ميزان حسناته.

قد يعجبك ايضا
∧